يمكن القول إن استعمالات روايات فرانز كافكا في مجال الأدب عموماً والرواية خصوصاً أصبحت ظاهرة تستدعي التأمل والتأويل . فالروائي التشيكي الذي لم يحظ في حياته بأي شهرة تذكر ولم يطبع أعماله المهمة أيضاً ، وظل ذكره خاملاً من دون اهتمام حتى أفول الحرب العالمية الثانية ، أخذ النقاد يعدون كتاباته سمة من سمات القرن العشرين وتعبيراً جوهرياً له . وتفرّد كافكا نابغا إلى حد كبير من (تقاطع الكتابة والتجربة المعاشة) بحسب رأي المؤلف جون ليشته ، وهو لا يعيش لأجل كتابته فحسب ، بل في كتابته أيضاً . وعندما كان يكتب لن يهرب من عذاباته فحسب بل كان يتمكن من العيش أيضاً… كانت الكتابة تعتبر صلاة بالنسبة إليه ، وهي واحدة من العبارات القليلة التي كتبها عن معنى الأدب عنده ، حين نقل السؤال إلى حيز آخر: ما هي الصلاة ؟ ما معناها بالنسبة إليه؛ فالأرجح أنها كانت سبيلاً إلى اعتراف شخصي صادق بأي شيء في عقل المرء ، لأنه عاش بوهيميا محاولا العثور على ذاته . فنجد هناك نماذج من الروايات الحديثة قد تأثر أصحابها بفرانز كافكا وأفكاره حتى صرنا أمام نمط أدبي اسمه (الكافكائي أو كافكالوجيون) يختلف تماما عن بقية الأنماط الأدبية الأخرى . كان كافكا الكاتب الأطول ظلاً كما يصفه أحد الكتاب الذي يلمح إلى تأثيره الكبير على عدد من الكتّاب المعروفين والمكرسين في الدوائر الأدبية والنقدية حين تماهوا مع مقولته : (أحس أن هذه الدنيا ليست لي ، إنها للمتملقين ، المنافقين ، الوقحين ، النهمين أبدا ً، مثلهم مثل كلاب واقفة أمام دكان قصاب تتوق إلى قطعة عظم ترمى لهم) . يمكن لنا القول إن فرانز كافكا كان الممثل الأبرز لروح العصر الحديث . لقد حقق نجاحاً لافتاً في تصوير العدمية التي ألقت بظلالها الداكنة على مجتمع فقد صلته بإله يمنح الفرد نوعاً من الطمأنينة الميتافيزيقية والاستقرار النفسي ، تماماً كما نجح في فضح آثار العقلانية المفرطة للهيمنة البيروقراطية التي توقع الفرد في حبائلها العنكبوتية وقد أُعتبرت رواياته أيقونة غريبة بالنسبة إلى الأدباء ، إذ كان يستخدم الغفلية (باستعمال ، مجهول الاسم لشخصياته الرئيسة) كي يبرز نوعيتها المتعالية .
لقد بات الصراع حول هوية كافكا بين إسرائيل التي تريد جعله إسرائيلياً باعتبار أنه ينتمي إلى الديانة اليهودية ، وبين ألمانيا التي كان كافكا يكتب بلغتها ، وربما تتدخّل تشيكيا أنهت هذا الصراع بقولهم إن صاحب رواية (المسخ) كان يحمل جنسيتها وكان أحد المعجبين بعاصمتها براغ وانه قد توفى قبل أنشاء دولة إسرائيل في فلسطين بـ (24) سنة ، إنه أمر مفتعل عندما يريد الإسرائيليون اليوم جعل كافكا أديبا إسرائيلياً كونه يهوديا مضطهدا من أنظمة شمولية (النازية بالتحديد) والذي أمضى سنة ونيفاً من عمره في أحد المعسكرات النازية قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945 شأنه شأن بقية المكونات الدينية والعرقية المختلفة في العالم بأسره التي خالفت النازية . فهو أديبا عالميا كما تشير الوقائع التاريخية عن سيرته الذاتية .
لقد كتب كافكا رسائله إلى شقيقته الصغرى أوتيلي والتي كتبها بين عامي 1909 و1924 يعتبرها الخبراء مصدراً مهماً لمعرفة هذا الكاتب مساوية في الأهمية لأعماله مثل رواية (القلعة) أو (المحاكمة) أو قصة (التحول أو المسخ) ، وكانت رسائله أشبه بالمونولوج الداخلي من طرف واحد بدلاً من الحوار بين المرسل والمتلقي . وكما يبدو، من رسائل كافكا إلى أخته فإن والد كافكا لم يفهم ابنه
أبداً . في تلك السنوات ، وبعد أن استفحل مرض السل الرئوي الذي أصيب به عام 1917 وكانت وطأة المرض القاتل – الذي لم يكن له علاج في ذلك الزمن ، حيث لم تكن المضادات الحيوية قد اكتشفت بعد – تشتد على كافكا يوماً تلو آخر، فيتدفق الدم من رئتيه غزيراً وبمرور الوقت أصبحت رسائله جادة ومقتضبة أكثر فأكثر وهو في السابعة والعشرين من عمره ويتوقف وهو على أبواب الأربعين من عام 1924 وقبل أن يُتوفّى الكاتب التشيكي المشهور فرانز كافكا بداء السل عام 1924 عن 41 عاماً، أوصى صديقه ومعلّمه ماكس برود بحرق أوراقه كافة ، وطلب إليه في الرسالة التي كتبها كوصية ، ألا يدع أحداً يطلع على تلك الكتابات إلا أن برود ، صديقَه وموجِّهَه وناشرَ سيرته لاحقاً ، لم ينفذ الوصية ، ولم يحرق أيَّ ورقة ، وارتأى أن ينشر ثلاث روايات، هي: (المحاكمة) ، (القلعة) ، و(أميركا)، بين 1925 و1927، لينطلق بعدها اسم كافكا ويصبح أحد أشهر أدباء العالم في القرن العشرين ولم يحرق أيَّ ورقة ، وكانت المرحلة الأولى مِن وصول كافكا إلى القارئ العربي حين وضع أسسها وحدّد معالمها اثنان هما طه حسين (الذي نشر أول مقالة بالعربية عن كافكا في مجلة الكاتب) وسعدي يوسف .
عندها جاءت يوميات كافكا ونصوصه السردية ورسائله لتبني فضاء مأزوما يقف الإنسان فيه وحيدا ومنعزلا وعاريا في مجابهة قوى خفية مسيطرة يلاحقه شعور جارف باللاجدوى واهتزاز كينونته المتبلورة في أسلوبه السردي القائم على التدقيق والاسترسال والحوار الداخلي والمزج بين الحلم والواقع ، مما أدى إلى إنتاج عوالم رمزية شديدة الغموض ؛ تحيل العالم المادي المشخص إلى كيان هلامي مسكون بالسوداوية والرعب في قوله : فهو يبدو دائما على النقيض من الجميع ، لأنه لا يستطيع أن يحيا إلا معتزلا أو طفيليا ، إنه معتزل رغم انفه وهو يتجاوز هذه العزلة بقوى مجهولة ليتحول إلى طفيلي يتصرف بوقاحة قدر ما يستطيع (يوميات 1910) . تلك اليوميات ظلت حبيسة أدراجه لا تعرف عنها إلا دائرة ضيقة من الأصدقاء والمقربين ، لأنها قريبة من أدب الاعترافات من حيث ارتفاع منسوب البوح عن مجموعة التجارب والخبرات والملاحظات والرؤى التي عاشها من غير أن يقصد إلى نشرها ، فكانت تتقاطع على مستوى الشكل مع الكتابة التاريخية الحولية في اهتمامها اليومي في إطار تعاقب زمني ، لأن الكتابة التاريخية الحولية ، تفتقر في كثير من الأحيان إلى النسيج الزمني الحي الذي يربط اللاحق بالسابق ، نظرا لشيوع لون من الزمن الذري فيها يفتت الوعي التاريخي ويسهم في ضمور حركيته ، وإن كان هذا الزمن يمنح عالم الأمة المتخيل عبر تواليه وتعاقبه صلابة سوسيولوجية على حد تعبير هومي بابا (<!--) فان الزمن الكافكاوي عموما لا يتعاقب إلا ظاهريا ، فهو ينبع من الداخل ويتجه صوبه ، لذا تراه منشغلا بحركة الذات وعالمها وهواجسها ويسعى ليحيط بوعيها المضُمر في إثناء تنقله بين عالم الشهادة الذي تدركه الحواس ويستوعبه العقل ، والآخر الخفي الذي يتم حدسه بواسطة المخيلة . وقد تشكلت لدى المترجم خليل الشيخ ليوميات كافكا رؤى في إطار علاقتها مع نصوص كافكا السردية نصا شارحا يضيء الكثير من أبعاد تلك النصوص ويفسر غوامضها ويضيء سياقات ولادتها ، وبمعنى آخر تلقي أضواء كاشفة عن دواخل عالم كافكا وما شهده من اضطراب وإحساس باللاجدوى المحكوم أبدا بالإحساس المطلق بعجز الإنسان وعبثية وجوده وفقدان حياته للمعنى ، وتحول إلى يأس عميق وغدا الإحساس بالسلام الداخلي الهش لونا من الاضطراب وصارت الرغبة في مجابهة العالم لونا من التوحد والاستبطان الذاتي ، لأن الحياة المملوءة تؤلمه ولكن الفراغ لا يقل سوءا ليجعل ألمه الذاتي بلا معنى ، مما جعله أن لا يغادر يومياته بالرغم من أن معظم الكلمات التي كتبها لا تنسجم مع بعضها بعضا ، مثلما غدا هاجس الموت مسيطرا عليه نظرا لتنامي حدة المرض وسقوط كافكا بين الحين والأخر فريسة للتعب والإجهاد . وأول ما تنبه من الدارسين لعالم كافكا هو هاينتس بوليتسر إلى أن الفرد يُحتجز في كتابات كافكا في دائرة من التكرارات يصعب تجنبها ؛ فهذا الفرد لا يتحرك إلى الأمام ولا إلى الوراء ، بل يبقى ضمن دائرة أي يبقى في مكان مكين مع الاحتفاظ برأسه عاليا ما أمكن حتى لا يغرق وهذا يكمن في قول كافكا : تتحرك الحياة المجتمعية عبر دائرة ، وحدهم الذين يحيون أسرى لآلام محددة يفهمون بعضهم بعضا ؛ لأنهم يصنعون نظرا لطبيعة آلامهم دائرة يتبادلون فيها الدعم ، إنهم ينزلقون على امتداد الحواف الداخلية لدوائرهم . (يوميات كافكا 1924) . وقد اتخذ جبرا إبراهيم جبرا هذه السمة في الأدب العربي الحديث بعد أن توصل بان من عادة كافكا في مذكراته أن يصف تجربة ما ثم يعود فيصفها على نحو آخر ثم يكرر الوصف على نحو ثالث ويستمر في ذلك لأربع أو خمس مرات لعله يحاول كل مرة أن يوجد لتجربته الوصف الأفضل الذي يعتقد انه لن يحققه بمحاولة واحدة ، ولكنه يبدأ في كل مرة على نحو جديد . وما يسهبه من تفصيل في المحاولة الواحدة لا تغني عن الأخريات بل تكملها كأنما المرء ينظر إلى شيء ضخم ويدور حوله كما جسده في روايته (المسخ) ؛ فيرى من كل ناحية بعض ما رآه في المرة السابقة والكثير مما لم يره . وهذا ما نلمسه في قوله : هل يحدث ذلك معي وحدي ؟ كان ينبغي أن يحدث ذلك عشر مرات معي ؛ لأنني لا اندم على الأوقات التعيسة ، إن حالتي ليست تعيسة لكنها ليست سعيدة أيضا ، إنها ليست حالة اللامبالاة أو الإنهاك وليست هي حالات أخرى فماذا يكون ؟ فالجواب بسيط أن التكرار هو ترسيخ الوعي والقيم وبنفس الوقت يبعد إحساسه عن معرفة نقص مقدرته على الكتابة ، هذا التوصيف صحيح بالمجمل وهو يمثل ثقل ثقافة جبرا الواسعة التي تدرك أن التكرار في يوميات كافكا لا يقود إلى التماثل بل إلى الاختلاف على الرغم من حركته الدائرية كما أسلفنا ومحاولة إيجاد موازنة بين معطياته في عالم يضج بالتفصيلات على نحو يتعذر معه متابعة أبعادها والتي تبين مقدار التعقيد والتركيب لذلك العالم الذي كان كافكا يبذل جهده من دون جدوى ، لأنه مربوط بماضيه وحاضره ولأن طفولته الوحيدة بين شقيقات ثلاث بقدر ما شكلت هذه الحالة امتيازا له ، ألقت بالأعباء على عاتقه ، وجعلت علاقته بابيه الريفي ، جذور الفقر المنبت اساسا ، ملتبسة تجمع بين النفور والإعجاب والكراهية والحب كما يبدو من الإشارات والأحداث التي أشارت إليها يوميات كافكا ترسم صورة للأب يبدو فيها كريها غريبا أو نائيا أو خشنا ، إذ كان رجلاً مستبداً وعدوانياً ، ولم يكن أحد يسلم من لسانه الجارح وسلوكه . كان من عائلة فقيرة ، لكنه استطاع أن يجمع ثروة لا بأس بها ، وكان أحد أسباب تعاسة ابنه فرانز في الحياة ، وهذا دلالة على الانفصال الوجداني بين الابن وأبيه ، وهذه شملت كتاباته السردية في رسالة كافكا الشهيرة إلى أبيه والمسمّاة (رسالة إلى الوالد) (حين يقول : إن تربيتي قد أضرت بي كثيرا من مناح متعددة وهذا اللوم يصيب كثيرين واخص منهم والدي وبعض أقاربي) وقد ضمنها بقصته القصيرة اسمها (الحكم) قال عنها : (كتبتها دفعة واحدة ليلة 22 – 23 من الساعة العاشرة مساء حتى السادسة صباحاً . تجمّدت ساقاي حتّى أنه أصبح مِن العسير عليَّ أن أسحبهما مِن تحت الطاولة) وتعتبر بمثابة تصفية حسابات نهائية لعلاقته مع والده بسبب مضي كافكا طفولة انعزالية تميّزت بانعدام الثقة بالنفس وبالخوف من الفشل . وطوال حياته كان واقعاً تحت نفوذ والده المتسلط والناجح . وكان يفهم عمله الأدبي على أنه محاولة هروب من الوالد . وخير ما يعبّر عن علاقة كافكا بوالده هي تلك الرسالة ، مما استفاض شعور عارم بالألم على نحو قريب من التداعي الحر ؛ فتتكرر النغمة الرئيسة كل مرة ويضاف إليها مرتكزات ونقاط جديدة ، وهذا يُعد أكثر إيضاحا لدائرة التكرار كما شخصها جبرا إبراهيم جبرا ومن خلال تشخيص كافكا معالم الأزمة بينه وبين أبيه في تلك الرسالة المطولة كاشفا بذلك عن إحساسه المبكر بالفجيعة وشعوره بالاغتراب والقمع كان شاعرا في أعماقه ابنا بارا لكنه لم يكن قادرا على إظهار ذلك ، وما يؤلمه هو مضايقة والده في الوقت الذي كان ينبغي فيه إسعاده وهو العالم بان ما يقوله في قرارة نفسه لا يحمل الكثير من المعنى ورأى والده ضربا من الثرثرة ، حتى وصل الحال به أن يتمنى أن يكون احد قاطني الخرائب يستمع إلى نعيب الغربان التي تجتازه بظلالها ويتبرد تحت ضوء القمر ، فميزه إلهامه أن يكون أكثر حظا وتعاسة معا ؛ هذه الأمنية هي الوجه الآخر للشعور بالفزع العميق الذي ظل يصاحب كافكا وهو يعيش بين أسرته في براغ حين يقول : أتخيل دائما أن سكينة عريضة لجزار خنازير تدخل فيّ من الجنب على نحو سريع وبانتظام آلي ، وتقطعني على شكل شرائح رقيقة جدا ، غالبا ما تتطاير كمعجون الحلاقة جراء سرعة العمل .
( يوميات عام 1913) .. وهذه الرسالة هي وثيقة عن سيرة حياة قبل أن تكون نصاً ذا طابع أدبي بحت ، لكن النقّاد أعطوها صفة أدبية . وتمثل (رسالة إلى الوالد) تصفية حساب عامة كما قلنا ، لا تعرف الرحمة ، ليس مع والده فحسب ، وإنما مع نفسه أكثر.. فان عائلته قد دمرت جزء جوهريا فيه كي تجعله يتماشى مع تطلعاتها ولم تدع له الحرية الكافية كي يقرر شؤونه بذاته ، وبمعنى آخر إذا أراد المرء أن يكون إنساناً حُرّاً ، مستقِلاً ، يقرر مصير نفسه بنفسه طبقاً لطبيعته وميوله وأهدافه . هكذا اكتملت الدائرة لديه بمحيطها على امتداد مسيرته واحتفظ بها خشية لو حدث أن طرحها مرة جانبا ؛ نسيانا أو انشغالا أو خوفا أو ذهولا أو إرهاقا لتلاشت في الفراغ حالا ، مما استفاض شعور عارم بالألم على نحو قريب من التداعي الحر. إن تلك الأمنية (الفزع) توازي لحظة التخيل هذه المتصفة هي الأخرى بالديمومة والاستمرارية ، وهي الأخرى لا تنبثق من الواقع بل من المتوقع والمنتظر الناتج عن جمعه بين اللوم والتفنيد ، لومه في الهروب في صعود الدرج ولو دحرجة وتبرير احتياجه إلى تنظيم طاقاته في مواجهة هؤلاء الذين لا يكفيهم مثل هذا الصعود ، فقد أضرت هي الأخرى به من أوجه شتى . وهما معا (الأمنية والمتخيل) يشكلان إحدى الكيفيات التي ظلت اليوميات تتفلت عبرها من الزمن العام لتحيى في زمن الكابوس . إن هذه الأمنيات والتخيلات ليست وليدة ذات قلقة مغتربة بقدر ما هي نتيجة لمجموعة من العناصر والإشكالات التي عاشها في مدينته كونه ينتمي إلى الأقلية اليهودية التي تتحدث الألمانية في مجتمع اخذ المخيال الثقافي فيه طابعا تشكيا قوميا مسيحيا ، بعد ما أن وصلت الأقلية اليهودية في براغ وفي القرن السابع عشر إلى ذروة قوتها ثم عاشت بعد ذلك عزلة وصراعا واضطهادا ؛ وهي كلها تحيل على مسألة إحساس كافكا بهويته وحواره الدائم بين الذات والأخر التي ظلت في حياته وفي كتاباته مسألة مهمة ومضطربة الملامح ، كما أشار روجيه غارودي بكتابه (واقعية بلا ضفاف) إلى ارتباط أزمة كافكا بسؤال الهوية والمناداة بتحرير الاقتصاد التشيكي من سيطرة الأقليات اليهودية والأخرى الألمانية ، فاجتمع في براغ البعدين القومي والطبقي وكان العنف ضد اليهود هو السمة الغالبة . فكان كافكا يشعر بالانفصال عن اليهود والألمان والتشيك على المستوى النفسي في تساؤله : ما هي القواسم المشتركة بيني وبين اليهود ؟ إنه لا يكاد يوجد قواسم مشتركة بيني وبين ذاتي ، ويتوجب عليّ أن أقف في هذه الزاوية سعيدا لأنني استطيع التنفس . (يوميات عام 1914) . والخلاصة إن حياة كافكا هي في أبعادها الكبرى تجسيد للمأساة وهروب من الحياة إلى الكتابة .
من الروايات الخالدة في تاريخ الأدب رواية الأديب التشيكى العظيم فرانز كافكا، (القضية) أو المحاكمة ، وهى رواية مواطن وجد نفسه فجأة متهما في قضية لا يعرفها ، ويحاكم في محاكمة لا يفهمها ، وكأن هذا هو قدره ولا فكاك
منه ، تتحدث عن الظلم الذي يقع على الأفراد في الدولة المتسلطة التي لا يعرف الفرد لماذا يحاكم أو ما هي جنايته وكل ما يعرفه انه سوف يعدم ؛ هكذا كان كافكا يفهم الإنسان في العالم من إن هناك مطاردين لا يمكنهم أن يعرفوا حقيقة الذنب . وقد اعتبر النقاد روايته هذه محاكمة رمزية رهيبة مع والده .
أما روايته (المسخ) فيصور انه وجد نفسه ذات صباح وقد تحوّل إلى حشرة ضخمة يدور حولها حتى أعلن أن شخصيته الرئيسية قد تحولت ببساطة إلى حشرة كريهة ، إلى صرصار.
وأخيرا اكتشف الأدباء والمفكرون الطاقة الخلاقة الكامنة في نصوصه الأساسية مثل المحاكمة والقلعة وأمريكا . وما علينا إلا أن نعيد تأمل هذه النصوص لكي نرى القراءة المشوقة التي يقترحها علينا واقعنا الحاضر، ونكتشف أيضاً الطاقة الخلاقة الكامنة في تلك الرؤى ، فلم يكن كافكا يتحدث عن لحظة زمنية ومكانية ثابتة ، إنما كان يمارس ضرباً من السبر المتصل بالإنسان في كثير من تحولاته ، فيما هو يحاول تفادي حياة أرأف منها ، الموت .. فيموت . واعتبروه رائد الكتابة الكابوسية الغارقة في التشاؤم والسوداوية ، حيث كانت حياته مليئة بالحزن والمعاناة ، بما في ذلك علاقته بوالده ، وقد برز ذلك بصورة خاصة في كتابه (الحُكم) حيث يقبل الشاب حكم الموت الذي أصدره عليه والده وقد صوره أبا متسلطا محبوبا ومرهوب الجانب في ذات الوقت . كما عُرف كافكا على انه شخص يصعب عليه إتمام الأمور، مما ميز كتاباته في عدم إنهاء إنتاجياته ، تاركاً القارئ يصل إلى ما يريد أن يصل إليه .
<!--[if !supportFootnotes]-->
<!--[endif]-->
<!-- هومي . ك . بابا : موقع الثقافة ، ترجمة ثائر ديب المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، بيروت 2006 ص274

