من الأعياد الدينية المشهورة عند البابليين وأهمها هو عيد رأس السنة أو العام الجديد يشاركون فيها الناس بالمسرات وممارسة الطقوس الدينية ، فهو أقرب ما يكون إلى الأعياد العامة الشعبية بالإضافة إلى صفته الدينية ويقع زمنه ، كما كان يمارس في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد من عصر حمورابي في أوائل شهر نيسان ، أي إبان الاعتدال الربيعي وفي عهود قديمة من حضارة وادي الرافدين كان يُحتفل به مرتين في السنة : مرة في الربيع ويسمى (عيد الحصاد) ومرة في الخريف ويسمى (عيد البذر) ثم ادمج هذان العيدان بعيد واحد ، وهو العيد الذي يقع في اليوم الأول من شهر نيسان ويستمر طوال احد عشر يوما من هذا الشهر . ومن المفيد ذكره بعض الملاحظات عن منشئه واصله ؛ ومما يقال عن ذلك أن موسمه يشير بوجه واضح إلى انه كان بالأصل عيد الطبيعة المتعلق بالخصب والدورة الزراعية ، وانه يستدل من الشعائر التي كانت تقام فيه وكان يرمز أيضا إلى الصراع بين قوى الطبيعة وانتصار العناصر المولدة الممثلة بظهور النبات والخضار في الربيع على القوى المضادة ، أي انتصار الآلهة المنظمة للكون والأقدار على آلهة التدمير والفوضى في الكون . وان من أهم تلك الشعائر التي كانت تتلى في هذا العيد أسطورة الخليقة البابلية الشهيرة ، والتي ملخصها هو انتصار إله بابل (مردوخ) على الآلهة العتيقة الممثلة لقوى الدمار في الطبيعة والتي منها الصواعق والرعد والفيضانات وغيرها من ظواهر الطبيعة ، ويتبع ذلك الانتصار عملية الخلق وإحلال النظام في الكون وتقدير مصائر الناس وأقدار العام الجديد . ويشترط حضور الملك وهدوء الأحوال في البلاد لكي ينعم الإله بالقرابين والناس بالمآدب ؛ وكانت الدعوات ترسل إلى مردوخ دعاء بعد دعاء ليقرر مصائر البلاد والعباد . وقد سمي عيد السنة الجديدة بالمصطلح البابلي(آكيتي) أو (آكيتو) .
إن الغاية من هذا العيد هو مشاركة الناس والملك معهم الأرض في أفراحها حين تتزين في بداية كل عام في فصل الربيع وتلبس حلة قشيبة وتحتفل معها سائر المخلوقات ؛ ففي الأيام الخمسة الأولى من العيد يقوم الكهنة قبل شروق الشمس بتطهير عام لمعبد بابل الرئيسي والمسمى (ايساكلا) وهو المعبد الخاص بكبير الآلهة البابلية مردوخ الذي تبوأ هذا المركز في عهد سلالة بابل الأولى ، وكانت تتلى في إثناء تلك التطهيرات ( الطقوسية – السحرية) الصلوات والتراتيل وتقديم القرابين من جانب الكهنة ، ثم تلاوة أسطورة الخليقة البابلية مساء في المعبد ويرجح بأنهم كانوا يقومون بها بتمثيل الحوادث لتلك الأسطورة لغرض تطمين البشر في آمالهم بحلول العام الجديد . كما تقام في اليوم الخامس شعائر تتعلق بتوبة الملك ويمهد لها منذ الصباح المبكر بتقديم القرابين وتطهير المعبد ثانية ورشه بالماء والزيت المقدس وقطع رأس أضحية من قبل كاهنين ويمسحا بجسدها جدران المعبد لإزالة ما قد علق من دنس وشرور ، ثم يأخذ هذان الكاهنان الذبيحة ويرميانها في النهر ويبقى الكاهنان خارج المدينة بقية أيام العيد ، لأنهما صارا نجسين . وفي هذا اليوم تقام مظلة خاصة تسمى (السماء الذهبية) لاستقبال الإله (نابو) لزيارة أبيه مردوخ الذي يأتي من مدينة (بورسيا) وذلك في اليوم السادس وتختم احتفالات اليوم الخامس بظهور الملك في المعبد مع جماعة من الكهنة أمام تمثال الإله مردوخ ذي العينين البراقتين المصنوعتين من الأحجار الكريمة المقدسة وجسمه مصنوع من الذهب ، فيظهر فجأة كبير الكهنة لكي يسلب تاج الملك وصولجانه والحلقة والسيف القصير المعوج ويضعها على منضدة إزاء تمثال الإله ، ثم يعود ويلطم وجه الملك لطمة شديدة تدمع عيناه من جراءها ليكون فأل خير للسنة الجديدة ثم يسجد الملك أمام الإله ويعترف بأنه لم يذنب ولم يهمل شعائر الإله ولم يقصر بحق المملكة ومعبدها (ايساكلا) وفي مساء هذا اليوم يعاد للملك تاجه وشاراته الملكية ويصفع ثانية من قبل الكاهن ويؤكد الكاهن له بان الإله قبل صلواته وسيوسع من سلطانه ثم يقوم الملك والكاهن الأكبر بإضرام النار في ربطة القصب مع ثور ابيض متموضعان داخل خندق مقرون بتلاوة ترتيله دينية خاصة يخاطبا فيها الثور بأنه العجل المقدس والنور الذي يزيل الظلمات . وبنفس الوقت يجوب الناس دروب المدينة منادين باكين لاعتقادهم أن ألههم قد غاب أو اختفى لأنه مأسور من العالم الأسفل (عالم الأموات) بعد أن فقد الملك صفته كممثل الإله على الأرض في فترة سلب شاراته الملكية من جانب الكاهن ، فيصبح المجتمع البشري في فترة عصيبة حرجة ، إذ لا يوجد الإله ولا نائبه ليدرأ عنهم قوى الشر . وتنفرج تلك الأزمة حال إعلان نبأ استعادة الملك لشاراته الملكية واستعادة صفته ممثلا للإله فيعم الفرح ويقتلون جملة من الخنازير البرية الموجودة في غابات القصب القريبة من المدينة ، رمزا للقضاء على آلهة الموت والدمار . ويتم ما بين اليومين الثامن والتاسع من أيام العيد قيام الملك بدور الحاجب ومنظم الاحتفال حاملا صولجانه ويعين مجلس كل آله التابعة للمدن الكبرى في بلاد بابل بحسب منزلته ومكانته بين الآلهة وتكون تلك التماثيل أمام تمثال مردوخ لتفويض الآلهة المجتمعة في قاعة الأقدار المقدسة من جعل مردوخ ملكا عليها وينظم موكب فخم ومهيب تتقدمه تماثيل الآلهة وفي مقدمتها تمثال الإله مردوخ حيث يمسك الملك بيده وهو في عربته الإلهية الفاخرة وخلفه وجهاء المملكة ثم جماهير الناس . وكان هذا الموكب يسير في شارع فخم من شوارع بابل أطلق عليه اسم (شارع الموكب) الذي مازال آثاره شاخصة ليومنا هذا . وفي اليومين الآخرين من العيد تقام مراسيم الزواج الإلهي ملخصه يقوم الملك بدور الإله في اتصاله الجنسي بالكاهنة العليا رمزا لاستئناف عملية التجديد والخلق من بعد ظهور إله المدينة من أسره في العالم السفلي ويكون هذا في اليوم الحادي عشر من العيد حيث تقام الأفراح والولائم . وفي اليوم التالي من انتهاء العيد(أي في اليوم الثاني عشر) تعاد التماثيل إلى المدن المخصصة لعبادتها وينصرف الناس إلى ممارسة أعمالهم الاعتيادية وهي في آمال جديدة ومصائر جديدة في العام الجديد .

