اعتقد أن حياة الكاتب وتجاربه أثمن كنز يستمد منه في كتابة النص الأدبي سواء كان شعرا أو سردا، وأن له ينتفع بها إلى أقصى حد ، ولكن كيف ؟ هذه قضية . أخرى تقابلها ، هي قضية الموضوعية التي تقضي أن يكون أشخاص النص في صور مختلفة عن صورة الكاتب بحيث يشعر القارئ أنهم خلق آخر وبهذا يتيح الكاتب لنفسه الحرية في تشريح شخصياته من غير أي تحرج لأنهم يصبحون موضوعا منفصلا عن الكاتب يقف منه موقف الحياد فلا مجاملة ولا دفاع ، بل تحليل وفحص كالفحص العلمي المجرد . وقد كتبت هذه المقدمة للمحاولة على أمكانية إبراز الجدلية بين الذاتية وهي شخصية المؤلف نفسه والموضوعية بغية الوصول إلى ملامح النقد في الفكر الأدبي بشكل عام .

       يُعدُّ النقد في الفكر الأدبي العربي والعالمي ملمحا من ملامح حضارة الإنسان المعاصر ومظهرا إبداعيا من مظاهر الإبداع الأدبي على اختلاف فنونه وأجناسه . فالقراءة النقدية المُتأملة والمحللة للنص الأدبي من الداخل تؤلف روح الدرس النقدي الجديد بعيدا عن السرد العقيم والتعميم الساذج . ومن المعلوم أن النص الأدبي يتمثل في القصيدة الغنائية والملحمة والقصة الشعرية والدراما والقصة الطويلة والقصة القصيرة والرواية والمقالة .

       فإذا كان الأدب فنا لغويا ، فيترتب على هذا الفن أصول دقيقة تتحدد ماهيته الفنية وتسعى إلى تقدير جمالياته وتقويم أصالته ، وأن هذا لا يتم إلا بولادة نظرية النقد  الذي يُعد عندئذ محور تلك الأصول ومركزها . إذ تعيش اللفظة المفردة الحرة في كل لغة من اللغات بما تحمله من دلالة معنوية أو فكرية في عالمين : العام والخاص . فهي حين تنتقل من عالمها الخاص إلى العام تعتبر لفظة عامة الاستعمال بين عموم الناس ، ويؤثر هذا الانتقال فيغير دلالتها المعنوية مع الاحتفاظ برسمها الأصيل في ضوء تطور المجتمع . أما حين تنتقل اللفظة من عالمها العام إلى الخاص – وهي المعادلة اللغوية المعروفة – أي حين تنتقل من المعنى العام إلى المعنى الخاص فتعتبر تلك اللفظة مصطلحا ، له دلالته الخاصة في مجالات المعرفة المختلفة من آداب وعلوم وفنون . وعلى سبيل المثال أن شعراء الرمزية وكتابها لا يعبأون بالجماهير ولا يتجهون إلا إلى الخاصة ، بل خاصة الخاصة ، ومذهبهم يقوم على الإيحاء بالمعاني والمشاعر التي تعجز كلمات اللغة عن أدائها فهم يبحثون عن مكامن في النفس لا تستطيع اللغة بدلالتها العادية أن تبرزها وهو مذهب أليق بالشعر منه بالقصة . ومن هنا تظهر الجدلية بين العاطفة والموضوع أو الموقف .

       إذ تزخر الثقافة الأدبية المعاصرة بالعديد من المصطلحات الأدبية والنقدية نظرا لأتساع آفاق المعرفة الإنسانية من جهة وتطور ضرورات الحياة وحاجات الإنسان المادية والمعنوية . فنجد سرعان ما يظهر مصطلح يحتفظ بديمومته كمصطلح النقد الأدبي (Objective Correlative) ويعني المعادل الموضوعي أو الترابط الموضوعي ، وهو التوازن بين ما تعبر عاطفة الشاعر مثلا الكامنة فيه بسبب موضوع أو موقف وبين ما يثير عاطفة مشابهة في القارئ ، أي أن الشاعر لابد أن يكتب نقدا مبرمجا والمقصود منه هو النقد الذي يعبر عن اهتمامات الشاعر ذاته بصفته شاعرا ، وهذا نقد يختلف بطبيعة الحال عن النقد القائم على البحث التاريخي ، ولذلك نجد أن إليوت قد وضع نظريته المعروفة بالمعادل الموضوعي ، لأن الشعر نوع من الرياضيات الملهمة تزودنا بالمعادلات للعواطف البشرية . فالعثور على المعادل الموضوعي هو سر بقاء القصيدة وخلودها ، وليست العبرة في سكب وتكثيف العواطف الذاتية فيها . ومن هنا دخل هذا المصطلح في موضوع الدراما على سبيل المثال ، فاهتمام الدراما يجب أن ينصب على الحدث الداخلي أكثر من تناوله الحدث الخارجي المادي ، غير أن هناك البعض ما يؤثر الرمز على الحدث الداخلي في صورة حدث خارجي مناسب كقصيدة كعب بن زهير السلمي الموسومة بالبردة ، حيث جمعت هذه القصيدة بين الرمز والكتابة من جهة وبين الصراحة والمجاز من جهة أخرى فخلق تعادلية فنية بين الحقيقة والمجاز وبين الصراحة والكناية والتي تتمثل في ثورة كعب ونقمته على سعاد وهو الشاعر المرهف الحس ، فيُعد هنا مدخلا رمزيا ومجازيا للوحة الاعتراف والتبرير السياسي ، لأن سعاد تبدو لنا حبيبة مجهولة لا تعرف هويتها النسبية ، فلم تحدثنا الروايات ولا شراح هذه القصيدة عن اسمها الصريح أو نسبها أو مكانها وقد يرجح أن تكون سعاد رمزا لمجموعة - لو غيرنا كلمة (خلة) إلى (عصبة) - من الأفراد كان قد تزعمهم كعب في معارضته للإسلام قبل ميلاد هذه القصيدة . ومن هنا يتجلى بوضوح الربط بين الأسلوب والموضوع أو المبنى الفني للعمل الأدبي حين تأججت الثورة الذاتية في ضمير هذا الشاعر نحو سعاد الرمز ضحية هذه الثورة الذي صيره الذهول واللاأستقرار شخصية متناقضة المواقف مزدوجة السيرة نحو حبيبته . فهو يصرح بجرأة في موقف جريء ويرمز بفطنة وذكاء في موقف يحتم عليه استعمال مثل ذلك الرمز ، لأن هذا الأسلوب هو من خصائص القصيدة السياسية ذات الموقف الذي يسمو فوق مستوى التكسبية والاحتراف . وهذه الذاتية أمدت العمل بفيض من الحيوية والانطلاق والواقعية ، بفضل ما جبل عليه كعب من الصراحة والصدق ، واستطاعته أن يجرد من نفسه شخصا آخر يوضع تحت المنظار المكبر في التحليل . والذي يبدو من ذلك أن الشاعر في رمزيته قد أضفى على ناقته كثيرا من السمات الإنسانية كالطيبة والصدق .

       إن التأثير الفني الذي تتركه القصيدة في متلقيها (قارئها أو سامعها) لا يتحقق إلا بعد ترجمة الإحساس أو العاطفة أو الانفعال أو الشعور إلى الموضوع ، بمعنى أن الإحساس الذي يثيره العمل الفني في نفوسنا يختلف في طبيعته عن الإحساس الذي تزودنا به الحياة والعكس صحيح ، أي أنه لو لم يخرج الإحساس إلى نطاق الموضوعية لما كان للقصيدة تأثير فينا كما في قصيدة كعب المتمثلة بالمضمون الشعري الذي لا يخلو من رمز وكتابة وإيحاء كما يتجلى ذلك في صوره ولغته الانفعالية . ، ومن هنا نحصل على التفاعل بين الحس والفكرة . فتكون القصيدة قائمة على التعبير بين العاطفة وهي عنصر ثابت ومستقر في ذات الشاعر وبين الشعور وهو حالة غير مرئية في ذات الشاعر لا تظهر إلا في كلمات وعبارات وصور خاصة ، ووفق هذا المنظور يكمن الموضوع أو الموقف فيه مشاعر تعبر عن عاطفة الشاعر وتثير عاطفة مشابهة في القارئ ، ومرد ذلك أيضا أن القصيدة بوصفها مثالا لنمط من أنماط الغموض ، نمط ليس مرجعه الأساطير واللغات الأُخرى بل مرجعه الصيغة الصرفية لبعض الكلمات في النص .. وهذا الغموض يزيد في غنى الأسلوب الشعري ويستثير في القراء رغبة في العودة إلى القصيدة وتأملها وتقلب جوانب المعنى المراد منها . وهنا نجد صدى رأي ريجاردز إن أحسن قراء الشعر من لا يكتفي بالقراءة الأولى بل يجد ذهنه في تقليب وجوه المعنى فتعود القصيدة ترغم ذهن المتلقي على النمو . وهكذا تبقى العلاقة بين العاطفة المستقرة في ذات الشاعر وبين الشعور المختبئ وراء العبارات والصور الأصيلة لذات الشاعر . 

       ولا ريب أن الشعر كثيرا ما يجعلنا تعساء أو عاطفيين أو غاضبين أو يؤجج فينا الحماس الوطني وقد يثير أو يوقظ فينا عواطف خاصة إن لم تكن معقدة أو مركبة لدرجة أن النثر لا يستطيع فيها أن يحقق مثل هذه الاستجابة وبالروحية نفسها ، ولكن الدراسات النفسية قد أثبتت أن الاستجابات الجمالية لا تتحقق إلا من خلال الاستجابة الحاصلة بين الفن (أي عمل فني) والمتلقي (السامع أو المشاهد) وبنفس الوقت لا يوجد فنان مهما كان ماهرا يستطيع السيطرة على الاستجابات الذاتية المؤثرة في قرائه أو أن الفن دائما يستطيع أن يثير في كل متلقٍ ، لأنها ترتبط بثقافة كل من الفنان والقارئ .

       وأخيرا فالشعر على أية حال ، لابد أن يعبر عن عاطفة تؤدي بدورها إلى خلق العلاقة أو الارتباط بين الموقف (Situation) أو الموضوع (Object) المستعمل من قبل الشاعر وبين العاطفة(Emotion) التي تعبر عنه فتستثيره أو توقظه ، أي تكون فيها العاطفة عنيفة وتكون فيها العلاقة بين الموقف والعاطفة واضحة جدا .

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 69 مشاهدة
نشرت فى 12 إبريل 2015 بواسطة altaieadnan

عدد زيارات الموقع

3,670