العقل هو ملكة الفهم وملكة إدراك العلاقات الذهنية ، لا في النطاق النظري وحسب ، بل في النطاق العملي والعاطفي(ماكس شيلر) ، أي أن الفكر الرهيف الذي يتيح لنا أن ندرك بالتعاطف مع الغير حقيقة مشاعره حدسيا أكثر منه منطقيا ، وهو أحد مظاهر العقل . ومرادف العقل عامة هو الفكر أو الروح(<!--) . وكذلك يعني العقل : هو مجموعة أفكار ومشاعر يقوم العقل بموجبها تحليل الأحداث والظواهر وتفكيكها واستنباط الحلول الناجعة .

 تعتبر فلسفة العقل فرع من فروع الفلسفة العامة تنقسم إلى مبحثين : مبحث عن العقل عامة ، ومبحث عن أجزاء العقل . الأول تدور المظاهر حول طبيعة العقل وعلى العلاقة بين العقل والأشياء مثل الجسم والآلات والطبيعة والحيوانات والآلهة ، كما تدور حول مكونات العقل مثل القدرات والاستعدادات والأفعال والأحوال والعمليات ، وتدور كذلك حول أنشطة العقل وعما إذا كانت تسير وفقا لمبادئ آلية أو مبادئ غائية ؛ أما الثاني فتدور المظاهر على المفاهيم العقلية مثل المعرفة والإدراك والفهم والتفكير والاعتقاد والذاكرة والخيال ، وعلى مفاهيم الإرادة مثل القرار والاختيار والقصد والرغبة والانفعال ، وعلى مفاهيم الإحساس مثل الغضب والخوف والملل واللذة والألم والرغبة . كما أنه يدور على مسائل أخرى مثل الدوافع والوعي والانتباه واللاشعور والأحلام . ومن هنا تتشكل علاقة جدلية بين العقل والظواهر الاجتماعية والفكرية ؛ يمكن تسميتها بفلسفة العقل هي تعني بإيجاز طريقة التفكير والحوار المبني على أسس منطقية وبيانية فلسفية . وان جميع الظواهر الطبيعية والاجتماعية تعتبر المحور الأساسي في فلسفة العقل ، أي سواء كانت العلاقة بالجسم أو بالإدراك وطبيعة بعض الحالات الذهنية . وبالتالي تكون علاقة العقل مع الوعي والوعي الذاتي واضح الوجود وهو من مخرجات عمل الخلايا الدماغية المنتجة للملكات العقلية والفكرية(<!--) . ومن هذا نستنتج أن فلسفة العقل هي مقدمات عقلية للكشف عن مبدأ الثنائية : كثنائية النفس والجسد في ما يتعلق بالطبيعة البشرية ، وثنائية الإرادة والفهم فيما يختص بوظائف العقل (ديكارت)(<!--) أو ما نسميه الثنوية العقلية وهي مجموعة الرؤى عن العلاقة بين العقل والجسد أو بين المادة  أو المجتمع ، لان كل مذهب إنساني هو مذهب ثنائي في مجال التقابل القائم بين الإنسان والعالم أو بين الروح والمادة ؛ وهذه الثنائية تؤكد على حرية الإنسان واستحالة إخضاعه لقوانين الطبيعة كمذهب الحتمية المطلقة للتاريخ ، كون حتمية التاريخ تخضع للنظرية النسبية بقوله تعالى : (إنا خلقنا كل شيء بقدر) ونظرية اينشتاين في النسبية ، وعليه فأن إخضاع المجتمع للحتمية التاريخية المطلقة ، أمر طفولي وخاطئ ، بل ينبغي تفسير كل الظواهر الطبيعية والذهنية على أساس النسبية (<!--) . فتكون الثنوية العقلية مكتسبة ، لأنه من المستحيل تغييب الفرد عن ديناميكيته في المجتمع ومدى تأثير تلك التفاعلية على سلوكه ،ويكون الفرد هو أساس المجموع فما يؤمن به المجموع يؤمن به الفرد بالضرورة . ولكن ليس بالضرورة أن الرأي العام هو معبر عن الفرد ، لأن الإنسان أحياناً ما يفصل بين مصالحه ومصالح مجتمعه . وهو ما نعرفه بأزمة الهوية ، هؤلاء يخلقون لهم وعياً أيدلوجياً لا يتقيد بقيد الزمان ولا المكان . ناهيك على أن الظواهر الاجتماعية التي لها صفاتها النوعية توجد خارج شعور الفرد وهي تقهره على ضروب من التفكير والسلوك والشعور وليس من المستطاع أن يغيرها الفرد ضمن إدراكه العقلي أو بتأثير الزمان والمكان كما يحلو له ، بل تتولد ثنوية فكرية نسميها بالعقل الجمعي الذي له خواصه الذاتية التي تفصل بينه وبين الشعور الفردي فصلا تاما ، أو ما يعرف بالأثر الاجتماعي ألمعلوماتي ؛  فيصبح العقل الجمعي مكتسبا صفاته من بيئته الاجتماعية ، إلا إذا تلقاها الفرد عن طريق النشأة (غريزيا) وعن طريق أصول الدين (فطريا) ، فيصبح الفرد غير ملزم بما ينتجه العقل الجمعي المبني على الصفات المكتسبة في سياق العنف المجتمعي وسلبيات التفاخر القبلي والطائفي . لأن العقل لم يكن حيزا فارغا يتلقى الانطباعات من الخارج فحسب ، بل العكس كان باطنيا مزودا بعدد معين من الأفكار الثابتة غريزيا كإيثار الفرد لحب نفسه على الغير وفطريا كالدين ، يمكن الاستعانة بها ليتسنى للعقل البشري أن يتوصل إلى الحقيقة الحقة بالتأمل وبحرية الإرادة وفي البحث العلمي الممنهج . وليس من الحكمة أن يكون العقل البشري شيئا خاملا هامدا وبنفس الوقت يستمر في الوجود ، بل يجب أن يكون نشيطا يفصح عن طبيعته في نشاطه ضمن العمل الجمعي(<!--) ، لان تلك الثوابت يجدها تامة عند ولادته وإنها أيضا مرتبطة بالمخيال الجمعي ، لذلك لا يجب أن نتوقع تغييرات جذرية داخل حركة الأديان في بضعة شهور وبالتالي فإن تطورات المجال الديني يمكن أن تأخذ وقتا طويلا بالرغم من أن بعضها يمكن أن يتأثر بتسارع وتائر الحياة في بعض الميادين لأن فكرة الدين نشأت مع الفطرة الإنسانية كما هو الحال أن البشر مفطور على حب نفسه وإيثاره لها على الغير بكل وسيلة فلا بد أن يفضل رغباته ولا يرى بأساً في منفعة ذاته وان أضرت بالآخرين . وهذا ما توصل إليه العالم (موريس جاستروف) بشان فكرة الدين من : (إن الدين عبارة عن الإيمان الفطري) وهذا ما تناوله القران الكريم قبل ألف وأربعمائة سنة بقوله تعالى : ((فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)) مع علمنا أن الإنسان بدأ تدينه بالسحر والشعوذة ، ثم تطور إلى عبادة آلهة متعددة ، ثم تطور إلى التوحيد الذي يمثل آخر حلقة في عصر الدين . وتبعا لذلك فان الإبداع في العقل الجمعي يخضع للمتغيرات باستمرار كونه حادث جائز الوجود ولكن بشكل نسبي . فالعقل الجمعي الأيدلوجي يختلف عن الوطني بالعقل المتجدد والوجدان المتقلب ، كذلك العقل الجمعي القومي يختلف عن الديني بالصراع بين الرغبة والدين . فالعقل الجمعي بالعموم متحرك وغير ثابت حتى نُطلقه على المجموع ، فلو كان ثابتاً ما قامت الحروب الأهلية بين الشعوب ، وتزعم وحدة عقلها الجمعي . وباختصار أن مشاعر الغضب والكراهية المدفوعة بالرغبات هي العامل الذي يؤثر في أي عقل جمعي مهما كانت قوته . إن نجاحنا في إيجاد عقل جمعي ايجابي وبناء وعابرا للتخلف والطائفية والعنصرية سيكون مرده إلى المقاربة الايجابية بين التفكير الجمعي المبني على التسامح وبين العمل الجمعي المبني على الثقة والمصداقية ؛ عندها سيولد العقل الجمعي إبداعا ايجابيا ناجحا لصالح الفرد والمجتمع معا .

هناك اتجاه بشكوك وجود العقل الجمعي بالفطرة بسبب العجز في وضع ضوابط لكل علم على حدا ، وان الفرد هو الذي يبني عقله الجمعي وهو الذي يهدمه ضناً منه أن الأعراف هي عقلا جماعيا ثابتا لها قوانينها ، وهذا أمر خاطئ كون الأعراف تتغير بالمعلومة وبالاستقراء والاستنباط وبالمعايشة وبقوة الحتمية التاريخية ، علاوة على ذلك أن العقل الجمعي- بمفهومه الشائع- يعني وجوده كقديم مع الذات الجماعية بسبب التقابل بين الروح والمادة ؛ وقد أزال (دوركايم) عالم الاجتماع الفرنسي في كتابه (الطوطم والحرام) هذه الشكوك بالقول : (إن بعض التصورات تكون فردية والبعض الآخر جمعي وان الأفكار الدينية تأتي إلى الإنسان من الخارج وليست نتيجة تجارب)  . وعليه فان العقل الجمعي في مجال الإبداع تكّون من الصفات المكتسبة (من أن هناك قوة تحرك الإنسان وتديره من خارجه كالظواهر الطبيعية) ، ومن ثوابت الفطرة  (من أن هناك قوة تحرك الإنسان من داخله وتشكله فطريا كالدين) وغريزيا (من التصورات الكامنة في الأذهان على توالي الأجيال وتؤثر على سلوك الفرد دون وعي كالعادات والتقاليد) .

إذا ما فصلنا ما بين العقل الفردي وبين العقل الجمعي كشعور خارج عن تصور الفرد ، فإننا لم نقف عند ثنائية التصور والشعور، إلا بشرطين :

الأول: أن يمس الحدث جانب الشعور الفطري والعفوي لدى الإنسان ، وهو بذلك يخلق عقلاً جمعياً غير مقصود ، والفرد جزء من الكل الجماعي ، وينطبق عليه من شعور فطري وغريزي ما ينطبق على المجموع ، كمثال التعرض للعلم الحضوري.

 الثاني: أن يمس الحدث جانب الهوية الذاتية ، فلا يمكن عزل شعور الفرد عن شعور الجماعة إذا شعر بالخطر من عدو متربص سواء حقيقي أم زائف . فيصبح التصور والشعور مندمجين في مفهوم واحد إذا ما اتحدت المعلومة عند الجماعة ، وهذا يعني أن من يقوم بتوحيد الصورة المعلوماتية يقوم في نفس الوقت بخلق وعي جمعي وفردي متطابق ، مثال الإعلام .

       لكن هناك سؤال يفرض نفسه ؛ هل أن كينونة الإبداع في واقعه الموضوعي قائم على العقل الجمعي أم قائم على العقل الفردي ؟ يتضح لنا أن الإبداع يتولد من الحركة العقلية عندما ينتقل من المطالب إلى المبادئ بأسباب عقلية جماعية أو فردية . ومن منطلق علم الاجتماع أن الإبداع ينقدح من زاوية الجماعة لحصوله على بنية التراكم العددي دون الوجود الفردي ، لان الجماعة تحبط القدرات الفردية المتميزة وان المكتسبات الفردية تضمحل في إطار الجمع وتزول معها الشخصية الخاصة لكل واحد . (غوستاف لوبون بكتابه علم نفس الجموع) ويقول أيضا : (إن الإنسان بمجرد انتسابه إلى جمع من الجموع يهبط إلى عدة درجات على سلم الحضارة ، فلعله كان وهو منعزل فردا مثقفا أما في وسط الجمع فهو غريزي وبالتالي همجي) في حين قدم آخرون ومنهم ( العالم النفسي تايلور في كتابه الإبداع) الإبداع الفردي على الإبداع الجمعي وذلك عن طريق الدليل الاستقرائي ، حيث ينظرون إلى الإبداع بما هو نتاج روح الفردية ، لان الاكتشافات والابتكارات التي تمت في الماضي وفي الوقت الحاضر قد ارتبطت باسم شخص واحد ومعين ، وان الطرائق الجماعية لا تحقق انجازات عالية إبداعية فعندما تعمل مجموعة من الأفراد بعضها مع بعض فغالبا ما يقتصر نتاجها على الترابطات السطحية(الأفقية) وقليلا جدا ما تصل إلى الترابطات العميقة (العمودية) بسبب نشأة الكون نشأة نسبية .

       إن قوة الإبداع أو ضعفه ليس ناتجا عن ضعف العقل الفردي أمام العقل الجمعي أو العكس ، وإنما يرجع إلى المقدمات فإذا كانت المقدمة في الجانب الجمعي قوية يصبح الإبداع قويا ، وهكذا بالنسبة للعقل الفردي . فنجد أن مقدمة الإبداع في الجانب الجمعي يكمن في التكامل بين الخبرات عند الجماعة والتي من خلالها يتكون الإبداع التركيبي بقيام كل طرف في انجاز ما تعلق به ، تؤهل العقل الجمعي في استيعاب المشكلات أكثر وتنمو ظروف الصياغة والإعداد المتكامل للمشكلات ، وفي إطار الجماعة تتسع دائرة الرؤية ، لان الفرد الواحد لا يعرف كل شيء إلا في إطار الجماعة ، إذ تأتي فكرة من شخص وتأتي الأخرى من الآخر وهكذا تتكامل فكرتان أو ثلاث فكر، عندها تتكامل الخصائص لدى أفراد الجماعة ، اذ ليس من المنطق أن تكون تلك الخصائص المركبة لدى فرد واحد , إن تنوع المؤهلات واختلاف الفعاليات يسمح بإعداد أكثر شمولية لتناول المشكلات ومعالجتها من وجهة نظر مختلفة . أما قوة الإبداع أو ضعفه في العقل الفردي ينظر إلى العقول على أساس من الانحلال ، بحيث أن أي عقل يرجح ، يؤخذ به ويترك بقية العقول . وباختصار أن البناء على العقل الجمعي على أساس التكامل بين الخبرات وعلى نحو الجمع في حالة تراكمها تارة أو تارة على انحلال العقول إذا ما أخذنا كل عقل منحلا معزولا عن الآخر ؛ كل هذه التصورات لم تخرج عن إطار العقل الفردي مثلما يحصل من النقاش العلمي والحوار فيما بين الأساتذة والطلاب ، هو الأخر لا يخرج عن العقل الفردي ، حقا أن كينونة الإبداع في العقل الجمعي هو في ذاته عقل فردي .

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- جوليا ، ديديه ، قاموس الفلسفة ، ص324

<!-- الطائي ، عدنان ، مقالة تحت عنوان( وجودية العقل .. حقيقة أم وهما ؟ ) المنشورة في جريدة التآخي بالعدد 6852     في 20/5/2014

<!-- جوليا ، ديديه ، قاموس الفلسفة ، بيروت ، ص159

<!-- الطائي ، عدنان ، الحداثة الرابعة (ما بعد العولمة) ، ص42

<!-- هوتون ، هكتور ، متعة الفلسفة ، ترجمة يعقوب يوسف ابونا ، ص5

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 294 مشاهدة
نشرت فى 9 إبريل 2015 بواسطة altaieadnan

عدد زيارات الموقع

3,625