العلمانية بين التطرف والاعتدال

بقلم الكاتب عدنان مهدي الطائي

عندما يسمو الإنسان بالقيم العليا تظهر العلمانية  secular ومعناها وجود سلطة روحية هي سلطة الكنيسة وسلطة مدنية وهي سلطة الولاة والأمراء ، وتعني أيضا حياد الدولة اتجاه الدين بالفصل بين الدين والسياسة ؛ وأحيانا تعني العالمية (secularism) وهذا لا يعني الإلحاد ، بل تعني في اللغات الأوربية (اللاديني) . وقد انتشرت في القرن السابع عشر (عصر النهضة) وبنتيجة الدراسات التاريخية واللغة تبين أن غايتها علاقة الإنسان بالإنسان وانتقال الحضارة من الله إلى الإنسان ؛ ومن دعاتها دانتي كما هو واضح من قصيدته (الكوميديا الإلهية)(<!--) التي وضعت البابوات في الجحيم ، وبنى فلسفته في ذلك على فكرة الحشر والنشر الإسلامية والتي يتفق مع رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ، حيث الكوميديا تعبر عن حياة ما وراء القبر المنبثقة من الأصول المسيحية التي تأثرت بالأدب الإسلامي . وقد تأثر دانتي بكتابات محي الدين بن عربي الذي كتب قبله (الإسراء الليلي) و (إيماءات مكة) والواضح أن عروج المصطفى محمد (ص) كان له بالغ التأثير على دانتي لكتابة قصيدته الفلسفية المطولة التي يعالج فيها صراع الإنسان مع ذاته ووصف الجنة والنار وتحدي الشيطان للرحمن ووقوع الإنسان ضحية لنزغات إبليس وذريته .

       بعد دانتي دعا ميكافيللي الحكام الزمنيين إلى ممارسة حكمهم بمعزل عن الكنيسة ورجال الدين الذين كانوا يفرضون هيمنتهم على الأمراء والملوك ، واعتبر الجمهورية نظاما امثل للحكم(<!--) بعد تحليله للأوضاع القائمة في ايطاليا التي كانت في عهده منقسمة إلى خمس دول . كما شدد ميكافيللي على ضرورة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب(<!--) . ثم يقول بدعوته في أقامة السلطة بمعزل عن الكنيسة التي شوهت الأخيرة سمعته بعد أن حبا نعمته عليها : ( إننا ندين للكنيسة ورجالها بشيء أعظم ولعله هو السبب فيما الحق بنا من خراب ، فالكنيسة هي التي جزأت ايطاليا ومازالت تحافظ على تجزئتها ، وان أي بلاد لا تشعر بالسعادة وبنعمة الوحدة إلا إذا كانت كلها تحت سيطرة حكم جمهوري واحد أو أمير واحد(<!--) .

       ثم برر هوبس في بريطانيا لعلمانية الدولة رافضا فكرة الحق الإلهي ، أي كون الحكومة من الله وأعلن بان دين الدولة واجب محتوم على كل مواطن ، والدين بالإجمال ظاهرة سوسيولوجية طبيعية أصلها الشعور بالضعف وليس الدين فلسفة ولكنه شريعة . أي الدين هو مجموعة أحكام وتشريعات سماوية مبنية على قواعد أخلاقية . أما سبينوزا الذي فند التوراة جملة وتفصيلا ، فاقترح سبعة مبادئ يقوم عليها الإيمان منها : (القول بخيرية الله ورحمته وعدالته ، وكونه الوحيد الجدير بالتبجيل والعظمة فضلا عن كونه الحاضر أبدا الذي له المشيئة المطلقة في تسيير كل شيء ، ولهذا توجبت المتمثلة في ممارسة العدل والإحسان ومحبة الجار ..) (<!--) ، في حين له رؤية في السلطة حيث يقول : (إن السلطة هي المبدأ الأساسي للحكومة لكن السلطة نقيض التسلط والعنف ) أي انه يدعو إلى الحكم الديمقراطي بقوله : ( لو اتسعت مشاركة الشعب في الحكم لقوي الانتخاب والاتحاد) غير انه يعود إلى موقفه من الدين فيقول : (أن السلطة هي الحاكمة في الدين وهي حاميته ولا يكتسب الدين قوة القانون إلا بإرادة السلطة)(<!--) . في حين دعا جون لوك إلى فصل السلطة المدنية عن الكنيسة ومنع الكنيسة من التدخل في السياسة ، لان هدف الدولة الحياة الأرضية وهدف الكنيسة الحياة السماوية ونحن نولد ملك الوطن لا ملك الكنيسة ولا ندخل فيها إلا طوعا ، ولما كان المجتمع المدني غير قائم على مصالح الكنيسة فليس للدولة أن تراعي العقيدة الدينية في التشريع ، فيجب على الدولة أن تجيز جميع أنواع العبادة الخارجية ، وتدع الكنيسة تحكم نفسها بنفسها فيما يتعلق بالعقيدة والعبادة وفقا للقوانين العامة فتسود الحرية جميع نواحي المجتمع المدني(<!--) . ومن الذين طالبوا بفصل الدين عن الدولة : فولتير ، غاليلو ، روسو ، وقد عانوا من اضطهاد رجال الكنيسة . وفي مطلع القرن التاسع عشر ظهر اتجاه النزعة الإنسانية الوضعية التي أصبحت فيما بعد ومن ابرز مريديها هو اكوست كومت وقد قسم التاريخ إلى ثلاثة مراحل : الميتافيزيقية ؛ وهي المنهج العلمي في البحث عما وراء الطبيعة ، والمنهج الوضعي الذي يعتمد أسلوبه البحث العلمي ، ومن هنا وضع كومت علما سياسيا دينيا وإنسانيا . وعلى هذا الأساس وافقت الكنيسة عام 1908 على الانفصال عن الدولة فنشأت كليات دينية وكليات وجامعات علمانية لا شأن لها بالدين .

       يبدو مما تقدم بان معظم الفلاسفة قد اقروا عزل الكنيسة عن السياسة والدولة أي رجال الدين ولم يشيروا إلى فصل الدين إلا القليل منهم ؛ ومن هذا يعني أن الدين شيء والتدين شيء آخر . فالدين هي مجموعة أحكام وتشريعات سماوية مبنية على قواعد أخلاقية كالصدق وعدم الكذب وعدم القتل وغيرها . أما التدين الذي هو ليس بالدين فهو عبارة عن تمثيلنا الديني أي طريقة تنفيذنا للتعاليم الدينية ، وهذا ما يتم إلا عن طر يق اجتهاد رجال الدين . فإذا ما كان اجتهادهم يخالف القواعد الأخلاقية للدين ، سيكون التدين بهذا الوصف انفعالا مرضيا لعقد مكبوتة ،  فلا عدل ولا سلام في مجتمع يكثر فيه من أولئك الذين يجعلون مسار التدين يوازي الدين ، أي سيكون الدين في واد والتدين في واد آخر فيصار عند ذلك بوجوب فصل التدين عن الدولة والسياسة وليس الدين . أما إذا تقاطع التدين مع الدين في كثير من نقاطه التشريعية ، فمن المؤكد سينهل التدين من معين الدين لصالح الدين نفسه وكذلك لصالح المجتمع .

       لكن قد تطورت العلمانية إلى انحدار أخلاقي ديني وصل إلى حد إنكار الخالق ومن هؤلاء فيورباخ حيث دعا إلى أن ( محور الدين ليس الله بل الإنسان ، وان الدين من ابتكار الإنسان ونحن لا نجد شيئا كهذا عند الحيوانات ، والصفات المميزة للطبيعة هي العقل والإرادة والمحبة ، هذه الصفات في كمالها هي المطلق أي الحقيقة القصوى وما الله إلا وهم خلقه الإنسان لنفسه عندما سلط طبيعته في العالم الخارجي(<!--) .

       ذكرنا أنفا أن العلمانية بدأت معتدلة ثم ما لبثت أن تطورت إلى علمانية متطرفة ملحدة ؛ فالمعتدلة ظهرت في القرنين السابع والثامن عشر . أما المتطرفة فقد ظهرت في القرن التاسع عشر . أما في العالم العربي فقد ظهرت العلمانية مع ظهور المعتزلة التي تؤكد على العقل في إظهار الحقيقة وإقامة الوحدانية الإلهية والتوفيق بين الكتاب والسنة  واستمرت قرابة قرنين من الزمان هما الثامن والتاسع الميلادي ، أي قبل مجيء مرحلة الترجمة اليونانية للتراث العلمي والإلهي الإغريقي التي حصلت في عهد هارون الرشيد . ثم الغزالي الذي قارنوه بديكارت من ناحية إقامة الدليل على وجود الله مع حرية الفكر من ناحية الإرادة عند الغزالي(<!--) . ومرورا بابن رشد في القرن الثاني عشر وانتهاء بالكواكبي ومحمد عبده والأفغاني والطهطاوي وغيرهم في القرن التاسع عشر. وقد قسم الأفغاني الحكومات إلى : حكومة قاسية وحكومة ظالمة وحكومة رحيمة ، وهذه الأخيرة يقسمها الأفغاني إلى جاهلة وعالمة ، وهذا ينبع من إيمان الأفغاني بالحكم الجمهوري والديمقراطية والدستور كحلول لعبودية الشرق وتخلفه .

ويمكن إيجاز ذلك  بمايلي : لقد تميز تياران في إطار فلاسفة العلمانية الأوربية : أولا . تيار مادي ملحد ، طمح إلى تحرير الحياة -كل الحياة- من الإيمان الديني . وكانت الماركسية أبرز إفرازات هذا التيار. ثانيا: تيار مؤمن بوجود خالق للكون والإنسان ، لكنه يقف بنطاق عمل هذا الخالق عند مجرد الخلق فيحرر الدولة والسياسة والاجتماع من سلطان الدين ، بمعنى آخر تحقيق نظرية اندماج الممارسة الواقعية بالتأملية الكبرى ، بعيدا عن الرهبنة مع بقاء الإيمان الديني علاقة خاصة وفردية بين الإنسان وبين الله كما امتاز به النبي العظيم محمد بن عبد الله (ص) حين اجتمعت في شخصه الواقعية السياسية والقيادية الجادة المتماهية مع المثالية الملتزمة بالقواعد الأخلاقية للدين والتأملية واستلهام الوحي .

 

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- الكوميديا الإلهية ، دانتي ، ترجمة عبد المطلب صالح ، ص80-84

<!-- الأمير ، ميكافيللي .

<!-- ميكافيلي والميكافيلية ، كمال مظهر احمد ، ص26  .

<!-- المصدر أعلاه ، ص50-53 .

<!-- رسالة في اللاهوت والسياسة ، سبينوزا ، ترجمة حسن حنفي ، ص80-81 .

<!-- الدين والمجتمع ، أديب صعب ، ص94-114 .

<!-- الفلسفة الحديثة ، يوسف كرم ، ص152.

<!-- العلمانية والدولة الدينية ن شبلي العيسمي ، ص22-23.

<!-- تهافت الفلاسفة ، الغزالي ، ص123.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 142 مشاهدة
نشرت فى 6 إبريل 2015 بواسطة altaieadnan

عدد زيارات الموقع

3,633