حقا سار فردريك نيتشه عكس التيار الفكري الإنساني(<!--) ؟!
بقلم الكاتب عدنان مهدي الطائي
فردريك نيتشه فيلسوفا وشاعرا ألمانيا مميزا ولد سنة 1844 ووافاه الأجل سنة 1900 وكان من أبرز الممهدين لـعلم النفس وعالم لغويات متميز. كتبا نصوصا وكتبا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة : المادية والمثالية الألمانية ، الرومانسية الألمانية ، والحداثة عموما . يُعد من بين الفلاسفة الأكثر شيوعا وتداولا بين القراء . كثيرا ما تفهم أعماله خطأ على أنها حامل أساسي لأفكار الرومانسية الفلسفية والعدمية ومعاداة السامية وحتى النازية لكنه يرفض هذه المقولات بشدة ويقول بأنه ضد هذه الاتجاهات كلها . اشتغل في مجال الفلسفة والأدب ويُعد في أغلب الأحيان إلهام للمدارس الوجودية وما بعد الحداثة . روج لأفكاره على أنها مع التيار اللاعقلاني والعدمية ، استخدمت بعض آرائه فيما بعد من قبل أيديولوجيي الفاشية . رفض نيتشه الأفلاطونية والمسيحية والميتافيزيقا بشكل عام ، إذ رأى في المسيحية انحطاطاً وأن النمط الأخلاقي الصائب هو النمط الإغريقي الذي كان يمجد القوة والفن ويستخف بالرقة والنعومة التي رآها من صفات المسيحية حتى وصل به الحال أن أوصى أخته عندما أصيب بمرض شارف على الموت أن لا تدع قسيسا ليقول الترهات على قبره بل أرد أن يموت وثنيا شريفا ، فهو يرى في الفضائل المسيحية ما هي إلا خلق روح العبودية والتشاؤم والحزن والخضوع للآخرين . وكذلك رفض أيضا المساواة بشكلها الاشتراكي أو الليبرالي بصورة عامة كما ناد بها المسيح ، لأنه مبدأ شعبي وليس مبدأ الأسياد والأبطال ، ولهذا كل من يقوم على مبدأ شعبي فهو يسير باتجاه الانحلال والسقوط والضياع بسبب ضعفه . ولذلك دعا إلى تبني قيم جديدة بعيدا عن الكانتية والهيغيلية والفكر الديني والنهلستية وسعى نيتشه إلى تبيان أخطار القيم السائدة كالأخلاق السائدة والضمير من خلال دروسه في الأخلاق التي جاءت دراسة تاريخية مفصلة ، فضلا عن إشكالية الموت . حيث فضل نيتشه الفلاسفة الذريين على الذين ظهروا فيما بعد كسقراط وأرسطو وتأثر بالفلسفة الأبيقورية بشكل خاص . وقام نيتشه في كتابه المشهور(هكذا تكلم زرادشت) بمزج شعرا قويا وحساسا مع مبادئ فلسفية مبتكرة وواقعية , حيث أعاد النظر بالمبادئ الأخلاقية الفلسفية ولم تعد بعده الفلسفة الأخلاقية كما كانت . وان مقولته : (لقد مات الإله ونحن الذين قتلناك كل ما لا يقتلني يجعلني أقوى) تكمن في ما ورد بكتابه ( هكذا تكلم زرادشت) : إن زرادشت وهو النبي الفارسي القديم الذي نزل من محرابه في الجبل بعد سنوات من التأمل ليدعو الناس إلى الإنسان الأعلى وهي الرؤية المستقبلية للإنسان المنحدر من الإنسان الحالي وهي رؤية أخلاقية وليست جسمانية حيث الإنسان الأعلى هو إنسان قوي التفكير والمبدأ والجسم..إنسان محارب ، ذكي ، والأهم شجاع ومخاطر. يلتقي زرادشت بعدها بعجوز يصلي ويدعو الله فيستغرب ويقول : (أيعقل أن هذا الرجل العجوز لم يعلم أن الله مات وأن جميع الآلهة ماتت) . وهكذا يتابع زرادشت رحلته ودعوته ليعبر عن أفكار نيتشه التي وإن كانت عنصرية بنظر البعض إلا أنها واقعية ومبدعة وكاشفة عن طبيعة النفس البشرية . يُعد نيتشه من أعمدة النزعة الفردية الأوروبية حيث أعطى أهميه كبيرة للفرد واعتبر أن المجتمع موجود ليخدم وينتج أفرادا مميزين وأبطالا وعباقرة ، ولكنه تميزه بين الشعوب لم يعطها الأحقية أو المقدرة نفسها ، حيث فضل الشعب الألماني على كل شعوب أوروبا واعتبر أن الثقافة الفرنسية هي أرقى وأفضل الثقافات بينما يتمتع الإيطاليون بالجمال والعنف والروس بالمقدرة والجبروت وأحط الشعوب الأوروبية برأيه هي الإنكليز حيث أثارت الديمقراطية الإنكليزية واتساع الحريات الشخصية والانفتاح الأخلاقي اشمئزازه واعتبرها دلائل افتقار للبطولة .
وباختصار ، على الرغم من غرابة أفكاره نال نيتشه إعجاب العالم بسبب سباحته لوحده عكس التيار الفكري الإنساني الذي سار منذ اللحظة الأولى من الوعي الإنسان وبداية مسيرة الحضارة . تشبه محاولته مثل قلب اتجاه حركة عقارب الساعة وقوانين الفيزيائية في الطبيعة. حاول إيجاد مبادئ فلسفية عملية لبناء الإنسان المتفوق الذي لم يكن قد ولد بعد ( حسب رأيه) عن طريق هدم القيم الدينية والفلسفية القديمة التي سبقته ، عن طريق تبنيه القوة كفضيلة ومبدأ الأول في الحياة . ويعتبر نيشته خليفة لشوبنهاور كما كان سقراط خليفة أفلاطون ، كان أيضا متأثرا بنظرية التطور لداروين وقائد الأمة الألمانية بسمارك و مؤسس الفلسفة المثالية الحديثة هيجل . يعزي بعض المفكرين أن سبب حدوث الانقلاب الغريب في حياة نيتشه الذي كان قسيسا صغيرا إلى ملحد وقاتل الله إلى خلل في جهازه العصبي الذي جعله مرهفاً ومتأثرا بما يجري حوله . انقلابا على إله المحبة والتسامح والعدالة والعفة الذي عبده وتعود على تقديم الصلوات بخشوع وتقوى له واختار لنفسه إلها جديدا هو الإنسان نفسه ، الإنسان المتفوق أو الأعلى (سوبرمان) الذي لم يكن مولودا بعد .
يمكن تقسيم أعمال نيتشه إلى ثلاثة مراحل هي :
المرحلة الأولى (1869 - 1876) : هي البدايات في التخصص لعلم اللغة الكلاسيكي . وقام بتوحيد قطبي الفكر اليوناني المتمثل ( قوة الإلهة ابولو ) الذي تتجسد فيه روح الحكمة والسلام والسكون والتأمل العقلي مع (قوة الإله الديونيزية ) قوة اله النشوة والهذيان الذي تتجسد فيه روح الفرح والمرح والسكرة والسرور المنبعث من النجاح في العمل ، اله الصبر والحكمة والمنطق مع اله حب المجازفة والمخاطرة والبطولة والشهادة ، فخلق نيتشه من خياله الشعري الواسع أنبل آيات الفن اليوناني ، قوة الرجولة الفياضة المتعطشة إلى البطولة وتحدي المعاصي في ديونيسوس ونعومة ولطف الأنوثة في ابولو في عمل درامي ، حيث يمثل ديونيسوس صوت الموسيقى والإله ابولو يمثل الحوار الهادئ . هذا العمل الدرامي اشترك معه في العمل الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر الذي كان يعيش بقرب من مدينة بازل ، الذي تأثر به نيتشه كثيرا في بداية عمره .
المرحلة الثانية (1876- 1881) وصف نيتشه هذه المرحلة من حياته بأنها فلسفة ما قبل الظهور)وكتب في هذه المرحلة أربع كتب وهي: اعتبارات غير آنية ، إنساني .. إنساني جدا ، الغسق (الفجر) ، العلم والجزل . حيث شن نيتشه بهذه الكتب على المسيحية في قضية الأخلاق والمبادئ الدينية والانحطاط الذي شب عليها حسب وصفه .
المرحلة الثالثة (1882 -1885 (هكذا تكلم زرداشت فهو أضخم وأشهر كتاب
له . فيقول في بدايته :جلست هناك انتظر ولا انتظر، وانعم بما هو فوق الخير والشر، فانعم بالضوء تارة وبالفعل طورا ، ولم أجد إلا نهارا وزمانا وأبديا ، هنا ظهر نيتشه مملوء من النشوة والتفاؤل ووجد ضالته بعد تفكير عميق ومعاناة طويلة ، وجد المعلم الجديد (زرداشت) الذي بدا يعلم عن الإنسان الأعلى الذي لم يخلق بعد ، ذلك الإنسان السوبرمان . وقد بالغ بمدح نفسه نيتشه قائلا: (لو جمعنا كل ما شاهده العالم من خير وروح في أعاظم الرجال ، لما استطاعوا جميعهم أن يأتوا بحديث واحد من أحاديث زرداشت . وبيت القصيد من مقولته : لقد مات الإله ، هي كل فلسفة نيشته وهو هدم القاعدة الرئيسة لكل فكر فلسفي أو ديني الذي سبقه وإعطاء تعاليم الدين والأخلاق دما جديدا ، لاسيما الديانة المسيحية ، انه حياة الرجل المتفوق (سوبرمان) الذي سعادته مبينة على المخاطرة والقوة والعنف وعدم المبالاة إلى الآخر . وبمعنى آخر نراه يفرض على السوبرمان أن يكون مملوء من البطش والقتل والقساوة والقوة وعديم الشفقة . لأن الضعفاء والمرضى لا جدوى منهم ، إلا تدريبهم وتشجيعهم على استخدام القوة والتزامهم برغبة الامتلاك هو السبيل الأمثل لتحقيق السعادة . فهو يشبه أفلاطون هنا فقط في تأييده لحكم الأقلية والبحث عن النخبة المتفوقة ولكن أفلاطون لم يريد من الإنسان أن يتخلى عن إنسانيته ابد ، بل أراد أن يؤسس مجتمعا مسيحيا اشتراكيا قبل مجيء المسيحية نفسها ، حيث كان يفضل وقوع السلطة في يد حكماء وعادلين و شجعان .
حاول نيتشه إعطاء وصفا مشابها لصور هيجل عن مراحل تقدم الروح والوعي لدى الإنسان أو مراحل التقدم ، فرأى أن الروح تشبه الجمل الذي يتحمل بألم ثقل الأخلاق القديمة المتوارثة من الأديان وأفكار الفلسفة القديمة ، ثم يتحول إلى أسد حينما يردد بلسانه عبارة ( أنا اربد) لا بد منه الدخول في الصراع لتحقيق هذه الإرادة والوصول إلى حالة التملك . فيصارع الأسد (الأنا) التنين الذي يمثل هنا القيم القديمة (في وعيه ) التي تُقيد حياته ( أي حياة الأسد) .
إن مقصد نيتشه في موضوع الإله ينصب في بحثه عن الإنسان (السوبرمان) المتكامل هو يقوم بهذه المهمة ويحقق سلام كوني شامل ودائم ومطلق بعد أن تم تأويل كلمة (إرادة القوة) تأويلا سطحيا التي تفيد القوة أو السلطة .. بل تعتبر هذه المقولة كقانون طبيعي لمبدأ الحياة المبدأ القائم على الحركة والتناقض والتقاتل والتجاوز والتغيير التي أثبتتها قوانين العلوم الطبيعية والبيولوجية والفيزياء . فالحياة مبنية على مبدأ صراع المتناقضات .. صراع الجديد ضد القديم ، وهو مبدأ (إرادة القوة) الذي يحرك الحياة وليس (إرادة الحياة) كون الكائن الحي هو يريد الحياة كما يقول نيتشه : (حيثما تكون هنا حياة فقط تكون هناك أيضا إرادة ، لكن ليست إرادة الحياة بل إرادة القوة) ، وهو القانون الذي يدفع إلى المغامرة باتجاه المجهول ، وهذا لا يتم إلا عن طريق الإنسان المتفوق (السوبرمان) . وان نيتشه اعتمد في كتاباته التلاعب اللفظي للغة الألمانية التي تمنحه التنويعات العديدة عن الجذر ، مما سهل عليه عملية الجناس والطباق وأحيانا اللعب على الغموض والالتباس المفتعلة على التضمين والكناية . باعتبار اللغة ليست قوالب جامدة حسب رأي (هيدغر) أو قوالب تصب فيها المعاني ، بل هي كيانات نابضة في الحياة ، لا ينتعش نبضها في ثبات المعاني أو أحاديتها ، وإنما في اضطراب العبارة وبحشد من الحركات ، بدعوة من أن اللغة من صناعة الإنسان والمبدع هو القادر على مغازلتها وتوظيفها لصالحه حتى تنهي إلى الانقياد إليه . غير أن من الكوارث التي إصابة نصوص نيتشه وخصوصا روايته (هكذا تكلم زرادشت) تم ترجمتها عن اللغة الفرنسية إلى لغات متعددة منها إلى الألمانية ومن ثم إلى العربية الذي لم يقم مترجميها من العرب ويكلف أنفسهم عناء المقارنة بين الترجمات المختلفة ، مما أوقع النص بتشويهات كثيرة ومعاني متباينة ، لا تدل عن مقاصد كاتب الرواية ومنها (حيث الآلهة تخجل من كل لباس) في حين جاءت الترجمة (حيث الآلهة ترقص عارية غير خجلا)
<!--[if !supportFootnotes]-->
<!--[endif]-->
<!-- المصدر : عبد القادر صالح ، العقائد والأديان ، بيروت ، ص248

