العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والاسلام ... بقلم عدنان مهدي الطائي
لما كان الفقه (الاجتهاد) مرآة عاكسة لظروف الزمان والمكان ، فقد يسهم الكثير في التعبير عن موقف وتنظيره ، أيا كان ذلك الموقف ، الأمر الذي يجب أن نطالب بأجراء جدلية بين الأنا المفكرة مع الآخر الموضوعي ، لكي نصل إلى صياغة موضوع قابل للمعرفة والإدراك ؛ باستجلاء موقف الشريعة من الديمقراطية ومقارنتها مع المُثل الملتزمة والمتمثلة بالقرآن والسنة كما أسلفنا ، لنتمكن من أن نسعى جادين إلى صياغة علاقة مع الآخر ، على أساس الحوار الهادف تكون قاعدته المعارف المشتركة التي تسعى لبناء مجتمع فيه عيش وسلام مشترك ، محملا إياها جدلية التعبير عن النصوص الشريعة ومقاصدها والولوج داخلها والإقامة فيها لا أن ندور حولها لنتمكن من إزالة التباس فهم الآخر لها بسبب الموروث من العادات والتقاليد ، وبنفس الوقت تستجيب للغة العصر في النسق السياسي الإنساني . طالما أن هناك توافق في مبدأ الجدلية أو المناقشة (وجادلهم بالتي هي أحسن وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) وإن النسبية هي القاعدة الأساسية في الحوار(كل شيء خلقناه بقدر) وعدم المضي إلى طريق التقليد . ولكن يجب التحدث وفق عصر التقدم التكنولوجي والمعرفي من خلال معنى الاجتهاد الذي يعني تليين النص ومده في المرتقى الحضاري شريطة عدم الخروج عن النص أو إلغائه ، أي عصرنة النص وتحديثه فقهيا بما يلاءم تطور الحياة وعدم تحميله بما لا ينبغي أن تحمل به بسبب الخطابات التقليدية التي انتشرت من ثنايا العصور السابقة التي اتخذت لها طابعا تعصبيا جموديا . عندها نستطيع رد المبادئ الإسلامية إلى أصولها كما ورد في القرآن والسنة الصحيحة ، لا إلى ممارسات المسلمين وتجاربهم مع أنفسهم أو غيرهم في أي مرحلة من مراحل التاريخ . لأن نهج الإسلام يقوم على أمرين : (الاحترام والإقناع) بعد أن كفل للآخرين حقهم في عدم الاقتناع بالدعوة وبعد ما أقر للإنسان حرية الاختيار
(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . لكم دينكم ولي دين . لا أكراه في الدين) وبالمعنى ذاته أن مبدأ المساواة والعدل بين الناس التي تعنيها الديمقراطية قد أقرتها الشريعة الإسلامية للناس كافة ، وذلك لأن أساس هذا المبدأ أو علته هي وحدة الأصل الإنساني(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى) ، وعلى هذا الأساس أن المبدأ ليس خاضعا لأي استثناء وعلى الآخر الذي هو نظير المسلم في الخلق ، أن يفهم بأن البشر في ظل الإسلام لهم حقوقهم في الحصانة والكرامة والحماية على حد سواء ، لأن الله قد خلق الإنسان في أحسن تقويم والإنسان هو محور فلسفة الأديان ومدارها وجدليتها ، فهو بنيان الله ملعون من هدم بنيانه (الرسول الأعظم) ، إذ أن المرء وكرامته يرتبطان بإنسانيته ، يسبقان دينه ويتقدمان عليه .
وأخيرا أنكر القرآن الكريم منطق الاستعلاء والتوسع والغزو والتصادم في العلاقات الدولية من قوله تعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا) القصص وكذلك قوله تعالى : (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أُمة هي أربى من أُمة) النحل . وأن الخطاب القرآني قد أهاب إلى نجدة الآخر وحمايته من قوله تعالى : (وإن احد من المشركين استجارك ، فأجره) التوبة .
إننا لسنا معنيين هنا بالخلاف بين المنظور الديني والمنظور الديمقراطي بقدر ما يفيدنا في تقييم وتقصي واقعنا الراهن ؛ وبتعبير أدق إن قضيتنا في هذه الجدلية تتوجه إلى الحاضر والمستقبل ، بأكثر مما تتوجه إلى الماضي ، لأن الماضي بالنسبة لي هو دليل وتجربة وعبرة وليس بالضرورة نمطا يتبع ولا مثلا يحتذى . فهنا ينبغي أن نميز بين الاختلاف في الرأي أمر طبيعي وعلامة صحة ، بل مصدر للثراء الفكري وعون للتصحيح ، بينما الخلاف قرين الفرقة التي لا يختلف احد على إنكارها
ونبذها . وعليه لا يمكننا القول إن الاختلاف في الرأي خير بالمطلق أو شر
بالمطلق ، وإنما هو خير إذا كان مصدرا للتنوع والإثراء وسبيلا إلى إظهار الحق ، وهو شر إن أدى إلى الفرقة وتمزيق الصف ؛ وعلى ذلك فلا مشكلة ولا غضاضة في مبدأ الاختلاف أو تعدد الإثراء ، إنما المشكلة تكمن في الكيفية التي يدار بها هذا الاختلاف . فإن الناس إن اختلفوا في اتجاهاتهم ومشاربهم فمن الطبيعي تختلف مواقفهم وآرائهم ، لأن لا تشابه بالقياسات ؛ فقياس الفقيه يختلف عن قياس الطبيب وقياس الفلاسفة يختلف عن قياس النمطيين ، وبمعنى أدق إذا أختلف المرء بمداركه اختلف بآرائه ، وهذا أمر طبيعي لا يختلف عليه اثنان ولابد من حدوثه على أن لا يأخذ طابعا عنفيا أو إقصائيا هذا أمر . أما الأمر الآخر هو التعددية السياسية التي هي المحور الثاني لمفهوم الديمقراطية بعد المحور الأول وهو حرية الرأي واحترام الآخر ومطابقتها مع مفاهيم قواعد الإسلام الحقة كما أسلفنا . إن ما يعنينا هنا من التعددية السياسية هو العمل السياسي الذي يجب أن يأخذ بالأمور الثلاثة التالية
أولا :
1. أن يظل الحرص قائما على ضرورة الدفاع عن قيمة الحرية باعتبارها الدعامة الأساسية لكل مجتمع .
2. نبذ التعصب والتطرف في المواقف الذي يتبنونها .
3. أن يتواصل الحوار حتى يتبلور الصحيح للمسألة .
ثم نأتي لمناقشة التعددية السياسية ونحاول استجلاء الحقيقة من هذه التعددية من المنظور الغربي والمنظور الإسلامي ؛ قيل أن فكرة التعددية لم تعرفها أوروبا إلا من الدولة العثمانية التي طبقت نظام (الملل) . فقد شاءت المقادير أن تنضج الفكرة في التجربة الأوربية وتتحول في نهاية المطاف إلى وحدة من أهم الممارسة الديمقراطية ، بل صار الإسلام متهما بالعجز عن استيعاب التعددية ، بسبب عدم الاهتمام الكافي لهذه المسألة ظنا من البعض أن الديمقراطية هو مشروع غربي بامتياز وكون التعددية تعني الفرقة . ألا أن في آخر المطاف أقرت التعددية السياسية وتشكيل أحزاب تمثل الناس تدافع عن حرياتها وتحقق مطالبها ، وتواجدها ضرورة للتقدم وضمان حرية الرأي وعدم استبداد الحاكمين بالمحكومين ، وهذا الاستنباط جاء من خلال مفهوم الاجتهاد الذي ذكرنا معناه سابقا وإلا ألزمنا أنفسنا بأُطر جامدة أو دوائر مغلقة ، عندها تكون التعددية أسلوب في إدارة الخلاف وتقوم بالاعتراف المتبادل بين الجماعات المختلفة وليس على أساس الإنكار أو منع تيارا سياسيا قائما ، سواء كان علمانيا أو ماركسيا أو إسلاميا لمجرد الاختلاف في الرأي ، وليكن صندوق الانتخاب هو الحكم بين الجميع ، فإذا ما فاز احدهم بالأغلبية فعلى الآخرين أن يتحملوا مسؤولية تقصيرهم وفشلهم في إقناع الناس بمشروعهم وأن يفسحوا المجال لغيرهم ممن نالوا ثقة الناس وتأييدهم
الخاتمة : وخاتمة القول أن الكثيرين استثمروا سوء الظن لدى المسلمين بالغرب وتجربته لتحقيق إغراض سياسية معينة وساعدهم ذلك حالة التخلف الفكري والثقافي الذي ساد العالم العربي الإسلامي مما اعتبروا الديمقراطية ضمن بضاعة المشروع الغربي الذي رأوه متجسدا في ذل ومهانة الاحتلالات السابقة للعالم العربي والإسلامي ورفضهم للدستور لأنه تحدث عن الاشتراكية ولا يشيرون إلى الإسلام إضافة إلى أن الغرب ظل مقترنا بالقهر والاستعمار في ذاكرة العرب والمسلمين ، في حين نجد أن هذه الإدعاءات جاءت متعارضة مع النصوص الشرعية والوقائع التاريخية التي اشرنا إليها سابقا التي تؤكد على حرية الاختيار والرأي وتكمن فيها قيم العدل والمساواة بتطبيق مبدأ التوحيد الذي يعني توحيد المعبود وتوحيد الأمة ضد الفوارق الطبقية .

