قال الله تعالى وصف الجماعة المسلمة الأولى في أوج تقدمها ونجابتها في العصر الاسلامى ومان يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاروا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلا( 1)
قال بعض العارفين:
فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــا
ولو ذقت من طعم المحبــــة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة لــمت غريباً واشتياقــــــــــــاً لقربنــــا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائـــح تــركت جميع الكائنـــات لأجلنـــــــــا
فما حبنا سهل و كل من ادعـى سهولته قلنا له: قـــــــــد جهلتنــــــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))2)
يا الله وجبت لهم الجنة بصلاح أعمالهم والسبق المحمود
لقد تسابق السابقون الأولون في اعتلاء منابر العلو والتمكين عندما تناسوا أنفسهم وبذلوها رخيصة لله تعالى حتى أن الله تعالى امتدحهم في معرض المدح الربانى
أتدرون عن اى شيء حازوا رضي ربهم ؟ وفيما كانت مفاتح علو همم هؤلاء الرهط الايمانى
اذكر لهم من سجلاتهم ما يجعلك تتعجب ويأخذك كل جانب
فقد روى الإمام البخاري عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: ((آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء رضي الله عنهما، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال: كل، فإني صائم. قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم الليل، قال سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي فذكر ذلك له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صدق سلمان)).
هذا الانصارى المقيم على ارض يثرب نورها الله بساكنها عليه الصلاة والسلام يقدم عليه المهاجر تارك كل شيء من ورائه في مكة ارض المهجر الأول المال والديار والاولادوكل حاجياته المادية التي لاغناء له عنها
باعوا لله دنياهم عازفين عن متع حياتهم الفانية الزائلة الراحلة غير المستقرة
باعوا عرض الحياة بشراء أبدية الآخرة والفوز بالنعيم المقيم هنالك فيما وراء نلك الدار الهاجرة
اذكر أن أعظم الإيثار إيثار أخرتهم ونيل رضي ربهم
فباعوا عاجل دنياهم برضى الله ورسوله
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يلبون داعي الأخوة، ويجيبون أخاهم إذا دعاهم، بل يرون إجابته حقا له واجبا عليهم، يأثمون إن هم قصروا في أدائه، يشهد لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد عن زياد بن أنعم الإفريقي، قال: ((كنا غزاة في البحر زمن معاوية رضي الله عنه، فانضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصارى رضي الله عنه، فلما حضر غداؤنا أرسلنا إليه، فأتانا، فقال: دعوتموني وأنا صائم، فلم يكن لي بد من أن أجيبكم، لأني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن للمسلم على أخيه ست خصال واجبة، إن ترك منها شيئا فقد ترك حقا واجبا لأخيه عليه: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه)).وإننا لنجد أثر هذا الإيمان وثمرة هذا التمثل في صنيع الأنصار الذين ضربوا المثل الأعلى في الحب والإيثار لإخوانهم المهاجرين حين قدموا عليهم مهاجرين بدينهم، لا يملكون شيئا، فقدم لهم الأنصار كل شيء، حتى كان أحدهم يقول لأخيه: هذا مالي فخذ شطره، وهاتان زوجتاي، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها لتكون زوجة لك بعد انقضاء عدتها، وكان الأخ المهاجر يقابل عاطفة أخيه الأنصارى بأحسن منها، فيقول له: بارك الله لك في مالك وأهلك، ما لشيء من هذا في نفسي حاجة، ولكن دلوني على السوق لأعمل.
وكان الأنصاري يستضيف أخاه من المهاجرين، وليس في بيته من الزاد
إلا قوت صبيانه، فيؤثره على نفسه وعياله، قائلا لزوجه: نومي صبيانك، وأطفئي السراج، وقدمي ما عندك للضيف، ونجلس معه إلى المائدة، نوهمه أننا نأكل معه، ولا نأكل. ويجلسون إلى المائدة، ويأكل الضيف وحده، ويبيت الزوجان طاويين، ويغدو الأنصاري على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيقول له: ((لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة))
وقد أكبر المهاجرون صنيع إخوانهم من الأنصار، فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن
بذلا من كثير، لقد كلفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ (1)، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم)) (2).
وحسب الأنصار ثناء الله عليهم، وتنويهه بحسن صنيعهم، إذ أنزل فيهم قرآنا يتلى، فيحكي قصة إيثارهم الفريد على وجه الزمان، ويخلدهم نماذج واقعية حية رفيعة للتحرر من شح النفوس:
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}وقال تعالى: "فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى"( النازعات: 37 : 41)


