واحرّ قلباه ....
قال لي صاحبي ــ وقد انتفخت اوداجه ــ : واحر قلبي ! اكاد أتميّز من الغيظ , قلبي يكاد ينفجر . قلت : سلامة قلبك يا صاح , ما الذي حَرّ قلبك . قال : هذا الاقتحام الهمجي للحرم القدسي الشريف و الاعتداء على المربطين فيه بالضرب , وخاصة تلك المرأة التي تناقلت وسائل الاعلام صور الاعتداء عليها . قلت : هوّن عليك يا صاحبي , أهذه أول امرأة يعتدى عليها من قبل الصهاينة ؟ قال : لا . قلت : أتعتقد ان هذه اخر امرأة يعتدى عليها في الحرم ؟ قال : لا اظن . قلت : وهل المعتصم مازال حيا ؟ قال : مات من زمن . قلت : اذن اسمع ـــ يا رعاك الله ـــ : وَرَبِّك لو انفجر قلبك وقلبي مع قلبك وقلب كل من تحب , ومن يحب من تحب , وانتقضت حجارة المسجد الاقصى حجرا حجرا , ولوحات قبة الصخرة لوحة لوحة , والقيت في واد سحيق , ما اهتز شارب واحد من شوارب حكماء بني يعدوس الملهمين . وكيف تهتز شوارب قصت من جذورها من زمن , حتى لا تذكّرهم بحمية الاباء والاجداد , فيتذكروا بطولات الرشيد , ونخوة المعتصم , وجرأة طارق , وشجاعة خالد , وسطوة محمد الفاتح , فتتراقص شواربهم طربا , فيحاسبوا على هذا التراقص الوطني , اما اذا احسوا باهتزار الكراسي من تحتهم هاجو وماجوا , وقلبوا الارض , وجعلوا عاليها سافلها واعزة اهلها اذلة , وصبوا جحيم قنابلهم على رؤوس العزل من شعوبهم , واغرقوا واحرقوا وقتّلوا وشرّدوا وقالوا : نحن حكومة نصنع يعاديسنا على أعيننا وبوحْينا . قال : يا اخي لا اكاد افهمك وانت هادئ الطبع , أهذا تفاؤل ام تشاؤم ؟ قلت : بل تفاؤل يا صاحبي تفاؤل . قال : كيف ؟ قلت : يا صديقي , الفجر يبزغ بعد اشد ساعات الليل حُلكة , الا تسمع قول الله تعالى(إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ) . قال ـــ وقد هدأ بعض الشىء ـــ : هل لهذا الليل اخر ؟ اهناك ضوء في نهاية النفق ؟ ثم هؤلاء الذين يقفون بصدور عارية يدافعون عن شرف الامة وكرامتها , رغم خذلان القريب والبعيد , من صمت يقْهر الى تنديدات واحتجاجات ليتها لم تصدر . قلت : على رسلك يا صاح , هؤلاء اناس يختارهم الله في كل عصر للذود عن حماه , لا تتصوّر الثواب الذي اعد لهم . ليتنا منهم , او شعرةٌ في اجسامهم او حتى حبيبات غبارٍ على اقدامهم . اما عن سؤالك فساتركك والتاريخ يسرد لك شيئا من حكاياه , وما اشبه اليوم بالبارحة .
يعود بنا التاريخ الى سنة 656 وبالتحديد في العاشر من شباط حيث سقطت عاصمة الخلافة الاسلامية ودرة تاجها , بلد الرشيد ومدينة العلم السلام ( بغداد) في قبضة التتار دون قتال ذلك ان اخر خلفاء بني العباس(المستعصم ) جبن عن ملاقاتهم , واثر السلامة فجمع حاشيته وخرج لاستقبالهم وتسليمهم المدينة , فامر قائد التتار هولاكو بهم جميعا فقيدوا وذبحوا ذبح النعاج , ثم دخل المدينة فعاث فيها واهلك الحرث والنسل . انطلقوا بعدها الى دمشق حاضرة بني امية , وكانوا كلما مروا على قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة , حتي اذا وصلوا دمشق فعلوا بها مثلما فعلوا ببغداد ثم تجهزوا لغزو مصر وشمالي افريقيا . كان في مصر في ذلك الوقت رجل لا ككل الرجال هو المظفر قطز , الذي اعلن النفير واصر على التوجه الى المغول وملاقاتهم قبل وصولهم الى مصر . حاول اشباه الرجال تثبيط عزيمته ولكن لا جدوى , اجتاز البطل بجنوده سيناء ثم فلسطين حيث انضم له جند الشام الذين هربوا من بطش المغول . وصل الجيش الى سهل في شمال فلسطين اسمه عين جالوت , حيث دارت رحى معركة ضروس هرب فيها اشباه الرجال وصمد الرجال , ولما زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر اتى نصر الله , فهُزم المغول وتقهقروا , وقضي على طموحهم , ثم ما لبثوا ان رجعوا الى حيث اتوا . ومن المفارقات العجيبة ان المغول دخلو هذه البلاد غاصبين قاهرين مفسدين , لكنهم عادوا الى ديارهم مسلمين , وكان لهم الفضل في نشر الاسلام في اسيا الوسطى . تزامن هذا مع الهجمة الصليبية على بلاد الشام وبيت المقدس والتي استمرت 200عام , كانت كل مدينة فيها تشكل امارة معادية لأختها ومناصرة للصليبيين . ثم كان الفرج ونهضت الامة وتوحدت على يد السلطان العثماني محمد الفاتح . نسال الله ان يقيض لهذه الامة من يسدد خطاها ويوقظها من سكرتها ويوحد صفوفها , ويرفع الحيف عنها ويعيد الحقوق لا صحابها . طبتم وطابت اوقاتكم .

