حُكماءُ بَني يَعْدوس
روى راوي الروايات رواية , فاستمعوا يا أولي الالباب وانصتوا لعلكم تفكّرون , تقول الرواية ــ يا سادة يا كرام ــ : ان بضعة اطفال كانوا يلعبون على شاطئ بحر اليَعْـدوسِيّة ( احدى مدن الاتحاد اليعدوسي الكبير ). اثناء لعبهم حلقت فوقهم طائرة لاحدي الامم المتحضرة , راعية الطفولة في العالم , سرّت بهم كثيرا , فأحبت مشاركتهم فرحتهم , فالقت عليهم من الجو بعض الطرود التي تحمل الحلوى و الهدايا واللُّعَب . سارع الاطفال لتلقفها من الجو فرحا بها , لكن الطرود كانت اكبر من ان تستوعبها ايديهم الصغيرة , فوقعت عليهم وفعَّسَتْهم تَعْفيسا جعلهم كالعصف المأكول , التقطت الة التصوير في الطائرة المشهد ونقلته الى مجتمعها المتمدن فخدشت تلك المشاهد مشاعرهم واحاسيسهم المرهفة فبكوا أو تباكوا , وبينما اهالي اليعدوسية يؤبنون ابنايهم ويدفنون اشلاءهم قرر مجلس حكماء بني يعدوس( الهيئة العليا للاتحاد اليعدوسي ) تقديم الاعتذار للدولة المتمدنة على ما سببته تلك المشاهد من جرح لمشاعر مواطنيها واحاسيسهم المرهفة , خاصة وان القصد كان شريفا , ولكن النتائج لم تكن كما اريد لها . شاكرين الدولة الصديقة التي ارسلت طرود الخير والفرح لأبنائها لكن منظر الاطفال شوه صورتها امام العالم .
وتقول الرواية ايضا ان مجموعة من اهالي احدى الولايات اليعدوسية ركبوا البحر بقصد التّنزُّه على قوارب صغيرة غير مجهزة بوسائل السلامة , انقلبت هذه القوارب على شواطئ احدى الدول المتحضرة , فغرق من غرق وطفى من طفا واكلت الاسماك من اكلت , لكن صورة طفل ملقاة على شاطئ تلك الدولة خدش مشاعر واحاسيس مواطنيها المرهفة فبكوا أو تباكوا , فسارعت الدولة الى عقد المؤتمرات للإشادة بالطفولة اليعدوسية البريئة , وحقها في حياة كريمة . وهنا اضطر حكماء بني يعدوس مرة اخرى لتقديم الاعتذار عما سببه هذا الحادث من احراج وازعاج لهذه الدولة المتحضرة ومواطنيها , خاصة وانها من الدول الراعية لحقوق الطفل
وتقول الرواية ايضا ــ يا دام عزكم ــ : ان مصوِّرة متحضرة , من دولة متحضرة شاهدت رجلا يعدوسيا , يحمل بين ذراعيه طفلا يعدوسيا , فظنت المسكينة ان هذا الرجل قد اختطف الطفل , واراد ان يهرب به , فعرقلته فسقط ارضا , وغايتها مساعدة رجال الشرطة في القبض عليه , واعادة الطفل الملهوف الى اهله , عمل انساني برئ , لكنها اكتشفت بعد فوات الاوان ان الرجل هو والد الطفل , فانخدش شعورها واكتأبت لهذا الموقف , وقررت ان تعتزل هذه المهنة الشريفة , ولكثرة ما احست حكومتها بالضيق والحرج , جمعت جميع المصورين ووسائل الاعلام المأجورة وغير المأجورة من كل بقاع الدنيا , ليصوروا افراد شرطتها وهم يلاعبون اطفال بني يعدوس ويقدمون لهم الهدايا في محاولة منها لاعادة الروح الانسانية والسمعة الطيبة لأفراد شرطتها بعد بث تلك الصور غير المقصودة . واضطر ايضا حكماء بني يعدوس الى تقديم الاعتذار للمصوِّرة ولحكومتها , لان الناس فهموها غلط
وتقول الرواية : اخيرا ونظرا للفضائح الكبيرة والاحراجات الكثيرة التي تسبب بها المواطنون اليعدوسيون للعالم المتمدن والمتحضر فقد اجتمع مجلس حكماء بني يعدوس الذين تُشرْشِرُ الحكمة من جوارحهم , الملهمون بقراراتهم , المؤيّدون من ولي نعمهم , وقرروا ان مواطنيهم من بني يعدوس يشبهون قوم ياجوج وماجوج , مفسدون في الارض ولا يستحقون الاختلاط بالعالم المتمدن , فلا بد من بناء جدار فاصل على حدود البلاد اليعدوسية , حوله خندق من النفط , جدار ظاهره الرحمة , وباطنه من قِبَلِه العذاب , بارتفاع عشرة امتار , على غرار جدار اقامته احدى الدل المتمدنة لمنع المتسللين الشرعيين الى اراضيهم , هذا الجدار يمنع أي مواطن يعدوسي من مغادرة الدولة حتى لا يسبب احراجات للأخرين تخدش مشاعرهم , وتجبر الحكماء على الاعتذار المتكرر , الى ان يحين الوقت الذي تتبلد فيه احاسيس بني البشر , فما يعودون يفرقون بين جثة طفل ملقاة على شاطئ البحر , وجيفة سمكة او عجل بحر القت به المنايا على نفس الشاطئ.
الرواية لم تنته بعد , ولكن الراوي قرر ان يصمت . طبتم وطابت اوقاتكم

