الكاتب علي الشافعي

مقالات ادبية واجتماعية ساخرة وقصائد عامية وفصحى

              ضاع شادي بقلم الكاتب علي الشافعي

     احدى روائع السيدة فيروز , سمعتها لأول مرة قبل تسعة وثلاثين عاما وما زلت اسمعها , لكن بطعم اخر فيه من المرارة ما فيه , ذلك لكثرة الشوادي في زماننا العتيد . والاغنية ــ ايها الافاضل  ــ تحكي  قصة طفل صغير اسمه شادي , ومطلعها لمن لم يسمع بها : ( من زمان وانا صغيرة ... كان فيه صبي ...  ييجي من الاحراش ... العب انا واياه ...  وكان اسمه شادي) ثم تمضي القصة فتسرد كيف كان الطفلان يقفزان و يمرحان ويجريان يلعبان فوق الثلج على جبال الارز اللبناني الشهير . في احد الايام دارت حرب على حدود القرية لا يعرفان مصدرها ولا سببها , ركض شادي بطفولته الفضولية البريئة يستطلع الامر , و من يومها ما عاد شادي .. وضاع شادي .

          هذا ملخص القصة وكلما سمعتها يسرح فكري , كم من شوادي بني عرب  ضاعوا , في عصر ينقل فيه الاعلام دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء . تعالوا بنا ــ دام فضلكم ــ نستعرض الشوادي للذكرى فقط ,  فنحن امة سريعة النسيان .

         شادي الاول : طفل في الروضة , اخته شادية بعمر ثلاث سنوات , يعيشان مع والديهما في بيت متهالك انهكته السنون , مكون من غرفتين وفناء صغير , هو متنفسهم الوحيد , بجانب الغرفتين كوّة صغيرة يطلقون عليها مجازا مطبخ , الوالد خارج البيت لبعض شانه , الوالدة تعد افطارا بسيطا , الطفلان في الفناء يتجاذبان لعبة من القماش صنعتها الام بيدها لتستعيض بها عن لعب السوق , الطفل هو يصرخ : دوري , والطفلة تقول : دوري , والوالدة من الداخل : دور دور يا حبايبي  . فجأة هوى شيء من السماء , ولم تعد الام ترى البيت ولا الفناء , صاحت وتعثرت بين الركام والدخان,  وتحسست فأمسكت بقطعة لحم , تبينت فيما بعد انها قدم , ولكن لم تعرف هل هي لشادي ام لشاديا , وضاع شادي وضاعت شاديا . تناقلت وسائل الاعلام الحدث , وانفعل المذيع وبكي وتألم الناس للمنظر , وبعضهم غيّر القناة حفاظا على مشاعر ابنائه . شاهدت الامم المتقدمة الحدث فلم تهتز لهم خاصرة , رغم انها هي التي وضعت ونظمت قوانين حقوق الطفل , واولها حقه في الحياة التي سلبت منه ؛ بحقد عدو او لتثبيت كرسي لا يملك صاحبها منها سوى خشبها . زمجر الساسة ثم رفعوا الكؤوس وشربوا نخب السلام .

   شادي الثاني : رضيع وديع ينام مطمئنا على صدر امه , لا يعرف من الدنيا سوى وجهها , لا رابط له مع الحياة سوى ثديها . قبيل الفجر فجأة يشتعل البيت , ويتبادل الساسة الاتهامات  , يحترق شادي , ويزمجر الساسة  , ثم يرفعوا الكؤوس ويشربوا نخب السلام

    شادي الثالث طفل حوصر حتى النخاع , اكل القطط واوراق الشجر , ثم اخذ جسمه يأكل من جسمه , وجفت عروق شادي وانهكت قواه , وضعفت مقاومته شيئا فشيئا , واسلم الروح , وزمجر القوم  , ثم ما لبثوا ان رفعوا الكؤوس وشربوا نخب الاخوة والسلام .

       اما شادي الرابع : فخرج من منزله الى الدكان لشراء كيس من الشبس لكنه لم يعد . قيل انه اختطف وقيل قتل , وقيل ربما دهسته سيارة , وضاع شادي , وزمجر الساسة ورفعوا الكؤوس وشربوا نخب الامن والامان . ... وشادي الخامس والسادس والتاسع عشر....

      يقال ان احد الشوادي في احدى البلدان الغربية تأخر عن بيته بعد المدرسة ساعتين , فاستنفرت الاجهزة الامنية فبها وفي كل البلدان المجاورة , ليجدوه في احدى الحواري يلهو مع قطة . خرج الوزير يومها على الملأ  وقدم استقالته لأنه اعتبر ذلك مؤشرا على خلل في المنظومة التعليمية .

 

     اقول في هذه البلدان قامت الدنيا ولم تقعد بسبب تأخر غلام ساعتين . تري ماذا كانت تفعل هذه الدول لو قصفت مدرسة عندهم ؟ ولكن شوادي بني عرب رخيصو الثمن ولا بواكي لهم . طبتم وطابت اوقاتكم .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 72 مشاهدة
نشرت فى 16 أكتوبر 2015 بواسطة alialshafee

عدد زيارات الموقع

2,945