موقع الأستاذ الدكتور محمد الجليند

الموقع الشخصي للمفكر الإسلامي الكبير الاستاذ الدكتور محمد الجليند؛ يعرض كتاباته وأبحاثه وآرائه

يُثار حول قضية التُّراث كثيرٌ من الآراء، وكُتب عنها الكثيرٌ من المقالات، ولا شكَّ أن ذلك يعطينا دليلاً قويًّا على أهمية هذه القضية وخطورة الحديث عنها، خاصة إذا علمنا أن تشكيل الثقافة العربية المعاصرة بالشكل الإسلاميِّ الجاد، والعربي الأصيل يتوقَّف إلى حدٍّ كبير على إحياء التراث والحفاظ عليه.  

- انطلاقًا من هذا الإحساس، وجَدْنا أصحاب الاتجاهات المختلفة، والانتماءات السياسية الملوَّثة، يحاولون إبعاد هذه القضية تمامًا عن حاضرنا؛ لِما في إحيائها من خطورةٍ عليهم في ضياعِ وَجاهتِهم، أو مركزهم الاجتماعي، واستطاعوا - بما لهم من "دبلوماسية" في ترصيع الألفاظ، وانتقاء الكلمات التي تمتاز بوَقْعها وجرسها في أذن الشَّباب- أن يتسلَّقوا إلى بعض أجهزة الإعلام، سواء منها المقروء أو المسموع، ويوهموا الشباب أنَّ حاضرنا المنتكس لا سبيل لنا إلى إصلاحه والنهوض به إلاَّ إذا نفضنا أيدينا من الماضي المتَّهم، وأغمضنا أعيُنَنا عن قيود ومفاهيم التُّراث الذي كبَّل الأجيال بسلاسل حديديَّة أعجزَتْهم عن التقدُّم.

وهذه النغمة ليست جديدةً على آذاننا، ولكن الخطر الجديد الكامن وراءها أنَّ أصحاب هذه الدعوى قد خلا لهم المسرح الإعلامي في فترةٍ من تاريخ هذه الأمة، حاولوا خلالها أن يُغْروا شباب هذا الجيل بما في الحضارة الأوربيَّة من مظاهر التقدُّم، وما واكب ذلك من وسائل الرفاهية، وسيادة العالَم الثالث مادِّيًّا وعلميًّا، وأوهموا الشباب أن هذه الحضارة الأوربية لم تَقُم إلا بعد الانسلاخ من الماضي تمامًا، وأن سبب تأخرنا يرجع أساسًا إلى تمسُّكِنا بذلك الماضي وتقاليده.
ولا شكَّ أن شبابنا قد عاش فترةً طويلة من الزمن فيما يشبه الفراغ الثقافيَّ والديني، استطاع أصحابُ الانتماءات المذهبيَّة والفكرية خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ أمتنا أن يوسعوا الهوَّة بين شبابنا وبين ماضيه، وأن يقطعوا الصِّلة بينه وبين تراثه، وصوَّروا التراث الإسلامي على أنه مجموعةٌ من القيود التي كبَّلت ماضِيَنا وعاقته عن التقدُّم، وأصبحَتْ أيُّ دعوة لإحياء هذا التراث تعتبر ردَّة فكرية، أو هي دعوة إلى التحجُّر والجمود، ولم يكن هناك مَن يحاول أن يأخذ بيد الشباب ليفتح عقله وفكره على الحقائق عاريةً من لون المناسبة أو الزمان والمكان، وإذا كان هناك مَن يحاول ذلك فإنَّ محاولته كانت لا بدَّ أن تُجهَض قبل تنفيذها بأيِّ وسيلة، سواء كانت وسيلةً مشروعة أو غير مشروعة، إنسانيَّة أم تتنافى مع أبسط قواعد الإنسانية، وكانت نتيجة طبيعية لكلِّ ذلك أن يشغل الشبابُ نفسه بما يُمْلَى عليه من ثقافاتٍ وآراء، ويعتنق ما يُطرح عليه من مذاهب وأفكار، ظاهرها الرَّحمة، وباطنها الفسادُ والتحلُّل من كلِّ قيمة اجتماعية أو خلقية أو دينيَّة.
* لماذا يؤثر الخطاب الديني المتشدد في فئات متعددة، بينما لا نجد تأثيرًا مثيلا للخطاب الوسطي المعتدل؟
- ربما أخالفك في هذا المعنى؛ لأن الخطاب الديني المتشدد لا نجد له تأثيرًا إلا عند بعض المنتمين مذهبيًّا لفكر الفرق الإسلامية، كالخوارج والشيعة، وبعض المنتمين إلى السلف الذين يقرأون النصوص ويكتفون بحفظ ألفاظها دون أن يتدرجوا إلى فقه النص وفهم روح النص (المقصد الشرعي من النص). والفارق بين القراءتين القراءة المتشددة والقراءة الوسطية، هو الفرق بين القراءة الحرفية الظاهرية للنص والقراءة المقاصدية للنص، وربما يكون هناك نوع من التحفظ على كلمة الخطاب المتطرف؛ لأن شيوع هذا المصطلح على ألسنة الكثيرين وفي أجهزة الإعلام قد ضيَّع معنى المصطلح، وأصبح يُطلق على كل ملتزم أنه متطرف، فالذي يتكلم عن الحجاب يُعد في نظر البعض متطرفًا، وكذلك من يتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُعد في نظر البعض متطرفًا، وهكذا تاهت معالم المصطلح.
ومن المهم أن نعلم أن التطرف علة في الدين وآفة في التدين، وقد نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه في أكثر من حديث حيث قال: (يسِّروا ولا تعسِّروا)، (بشِّروا ولا تنفِّروا)، (وما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا)، وأخذ أصحابه رضي الله عنهم بهذا المنهج في التيسير. أما الغلو والتطرف فهذا أمر مَن التزم به يجب عليه ألا يُلزم الآخرين به، وقد كتبت في ذلك كتابًا مستقلاًّ بعنوان" الأصولية والحوار مع الآخر" بينت فيه الفرق بين الالتزام كمفهوم شرعي والتطرف كفهم شخصي لبعض القضايا الفرعية، وبينت أن ذلك يتنافى مع روح الإسلام وأصوله قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج: 78، وهذا مبدأ أصولي يمثل قانونًا عامًّا تجسد في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185، ومن شدَد شدَد الله عليه.

algalaiand

أ.د. محمد الجليند أستاذ الفلسفة الإسلامية

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 86 مشاهدة
نشرت فى 2 يوليو 2016 بواسطة algalaiand

ساحة النقاش

أ.د.محمد السيد الجليند

algalaiand
ا.د. محمد السيد الجليند، تخرج في كلية دار العلوم عام 1967م، حصل على الماجستير عام 1971م، وكان موضوعها: "الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل"، بإشراف الأستاذ الدكتور محمود قاسم ، ثم الدكتوراه وكان موضوعها "قضية الخير والشر في الفكر الإسلامي- المعتزلة والأشاعرة نموذجًا". تدرج في العمل الأكاديمي معيدًا فمدرسًا »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

15,613