علي مدار المسيرة الإبداعية لفن القصة القصيرة لم ينتهي التجديد والمراوغة في السرد والبناء النصي ،من الأشكال السردية الحديثة للقصة القصيرة جدا ،حتى راح مبدعنا الكبير نجيب محفوظ في إبداعها علي صفحات نصف الدنيا تحت مسمي أحلام فترة .والقصة القصيرة جدا اكثر مراوغة ، حيث إنها تعتمد علي المفردة المصاغة في بناء يحتمل الانطلاق ألتا ويلي ،تخذل الكثير من الوصف الذي كان ياخذ مساحة في التشكيل الكتابي ،ولكنه يفقد النص حيويته ويصيب عين القارئ بالملل ،ويتركه عند حافة النص .

وعلي الرغم من أن المعارضة الفنية دائما ماتصرح ،بان الأشكال الحديثة من الفن أو الشعر والتي يحرص علي كتابتها مبدعي الشباب ،ما هي إلا نصوص خالية من الفن وهي التي تقف بالقارئ عند حافة النص لأنني لا أريد أن أدخل في مجاله فنية حول ماهية النص الحديث ،ولكنني أوضح بان ما أقصده من حافة النص هو المساحة الكتابية نفسها ،وقدرة الكاتب علي الأخذ بالمتلقي إلي أمواج النص ،أما تأويله فمتروك ،للمتلقي النسبي ،والنسبة في التلقي تختلف من قارئ لأخر كل حسب علمه وثقافته .....الخ

 

* صوت النص

علي مستوي نصوص المجموعة صوت المالف هو المسيطر ،ودائما ما يعلو دون أي مبرر فني ،حيث تنهي قصة ابتلاع بجملة تقديرية "سقطت في المحيط "والتي لم تضف سوي توصيف النهاية وتقديرها ،ولو تركها المؤلف لكان للنص صوته الذي سيجعل المتلقي يبحث عن هذه النهاية وكيفيتها ...!

وفي قصة "خضراء الزمن "تاتي الجملة " لم يمنع نفسه عن أن يذهب معها " والتي تشكل نهاية لحالة وموقف كان يمكن الاسترسال في حلة البطل النفسية أو يدخل في الموقف التالي مباشرة " بهرته كلماتها الرقيقة في أذنه وهي منتصفة به متجهة نحو البهو ...."

وفي نصوص أخرى يأتي صوت المؤلف عن طريق استخدامه لأدوات النفي ،بصورة مزعجة والتي تسبب إعاقة حركة السرد وتصاعده . حيث تقف أداه النفي بالجملة عند نقطة منتهية ، مما يجعل الجملة تقديرية .

" ثم ترهبه الكلاب الضالة آكل الحيف ، تعوقه الرائح الكريهة ولا الخنازير "

ونلاحظ في النص السابق لم ترهبه الكلاب أكله الجيف .

تمثل هذه الجملة حالة / موقف داخل إطار الحيث القصصي انتهت هذه الحالة باستخدام أداه النص ، وبالتالي استقبالها عند المتلقي سيأتي استقبالا موجها نحو هذه النهاية والتي تتجسد في عدم الخوف / الإرهاب من الكلاب ! ،لكن إذا جاء النص متمتعا بصوته والذي يرسم هذه الحالة ويجسدها في حركة دون الإشارة إلى آثرها علي بطل الحدث وهذه الإشكالية محاولة إعطاء التبرير للحدث _ دائما ما تأخذ نصوص عبد الرحمن أبو المجد بعيدا عن نقطة انطلاقها توجه الرئية التاويلية للمتلقي .

وتأتى قصة لفانوس المتحطم الذي انبعث من جديد / الفانوس الذهبي "ص39 مثالا صارخا علي تجاوز صوت الكاتب وتعديد المباشر علي صوت النص .بداية من العنوان الطويل والشارح لابعاد النص . ثم تاتي الأسباب والمعلومات  المبررة ،لأحداث النص " يسترجع ذكريات طفولته ...." ص41 يتضح علو صوت الكاتب الذي لم يستخدم خاصية الخلامس بال مباشرة ، وانما وجه المتلقي إلى أن الأحداث التي ستأتي من ذاكرة البطل .

لم يجب أباد هذه الزوجة رغم المثيارة بان يدعوها أمي بخيت لأنها كانت تسبه وتضربه علي اتفه الأسباب ..." ص42

نفي وتعليل مباشر لأحداث داخل النص ، تؤثر علي صوت النص وتملي القارئ رؤية المؤلف .

وفي نفس النص يأتي الزمن والذي يشكل محورا هاما في بناء القصة القصيرة ، يتجاوز المؤلف باستخدامه لأدوات الربط بصورة مفجعة " لقد تحسنت أحوال أبيه وواصل هو تعليمه حتى تخرج من الجامعة ثم تزوج من زميلته الطبيبة ، ولما مات والده لم تجد زوجته . بخيتة من يعولها إلا الدكتور زياد الذي اسكنها معه وظل يرعاها في شيخوختها .."

أربعة أحداث تلي الحدث المسرور والذي يتضح من النص انه جاء عبر الذاكرة . لكن الراوي غير البطل . وهكذا يؤثر علي الخاصية الفنية لإفلاس باك التي تطلب أن يكون الراوي هو البطل المتذكر ،حتى لا يكون صوت النص مخالف لصوت الراوي ،وما جاء في الأربعة أحداث التالية والتي تشكل كل منها وحدة زمنية قائمة بذاتها ، أنتهي الراوي خاصيتها " يتم " التي تفيد الترتيب والتراخي الذي وضح في النص !

ومن مؤثرات التي تؤثر علي صوت النص كما سبق الإشارة اليها هي العناوين عند عبد الرحمن أبو المجد تعد مشكلة حقيقية ، إذا أن اختياره لعناوين نصوصه دائما ما يتميز بخاصية التوجيه إلى كيفية قراءة النص ..

ومنها " القانون المتحطم الذي انبحث من جديد ، توشكي ، سهرة رمضانية ، السحور لونان من جن النساء ..."

وبالرغم مما سبق فإن صوت النص لا يغيب نهائيا عن المجموعة فتاتي قصة بوك حيث انتقل المؤلف بسطور حدثه بخفة ورشاقة ارتبطت بالعنوان الذي يعطي عدة دلالات حيث انتقال المؤلف من عالم الإنسان إلى عالم الطيور، تجسيد " لما صدر فرمانه بان لاترقص إلا له وألا تنام إلا معه .." ص2 وفي مقابل هذا الاعتزاز بالذات والإحساس الداخلي بالسطوة , تتجسد حقيقة الضعف والانهزام " ارتعش محمول الديك       المنتفخ يمسكه شيئاً عندما تأكد من صدقه نهض فزعاً يتضاءل كدجاجة تسمع صوت ديك من مسافة غير بعيدة " ص2 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القضية / الحدث :

 

لم يستطع عبد الرحمن أبو المجد الانفلات من سطوة الأحداث الجارية , التي يتخذها منبعاً لانطلاقة أحداثه القصصية , فجاء وقوعه سهلاً تحت سطوة الموضوع , علي الناحية الفنية .

والبداية التي تبدأ بها المجموعة [ ابتلاع ] ما هي إلا تجسيد للحظة سقوط الطائرة المصرية في المحيط , فجاء صوته مباشراً , مؤكداً علي ما يريد تأويله من النص " سقطت في المحيط " ص1 , وكذلك القصص التي ارتبطت بزمن محدد         قصص

[ السحور ] سهرة رمضانية , الفانوس , كل هذه القصص تنطلق أحداثها من رؤية محددة في عنوانها المباشر .

وهناك قصة " توشكي " التي تنطلق من بعد مكاني محدد , وبالتالي الموضوع محدداً            ويحاصر الراوي في تلقيه للنص داخل بؤرة محددة .

* الجنس : إشكالية حاول الكاتب مناقشتها داخل نصوصه فتأتي قصة " خضراء الدمن " لتمثل ممارسة الجنس , العادي , تجسد نقطة كثيراً ما قرأنها في أدب نجيب محفوظ ( لم يمنع نفسه أن يذهب معها حيث تنام ) ص2 .

أما قصة " قميص " فتجسد إشكالية الممارسة الغير طبيعية والتي تكشفها الأيام ( لما ارتاحت يده أسفل ظهرها تأكدت من أن الصورة التي يحتفظ بها لم تكن لفريق الأشبال في المنتدى)

ص13.

وقصة " لونان من جنس النساء " فجاءت تقريرية , موضوع أراد الكاتب أن يوضحه للقارئ فسرده بعنوان صحفي " لونان من جنس النساء " نوع يمارس الجنس ويستحي ( لكن لسانه انطلق يلعن من تستتر أدباً وحياءً منه , سبها وجردها حتى من أعظم شئ تتحلى به الفتاة ..... ) ص25 .

واللون الأخر يواجه الحقيقة الواقعية ( استتر يا مجنون ، يا قليل الأدب ........ ) ص25 .

وقصة " الرجل البقدونس " تجسد إشكالية الجنس الخرافية , الرجل الذي يجذب إليه النسوة , فيقفن ببابه , ينتظرنه ( لكنه كلما يتنكر كلما تفوح رائحته التي تتنافس عليها النساء كأنه التميمة والبلسم لجروح في الأعماق تفور وتفور ) ص31 .

قصة " تجاهل " تجسد حام يوسف إدريس , ولكنه حرام يوسف إدريس التف حوله أهالي القرية وتساءلوا       

غاب صوت الوليد في وسط الزحام وهذه إشارة ناجحة من القاص عن سرعة العصر وهرولة الناس نحو ذاتها فقط !

- البعد السياسي / الاجتماعي : لم تخلو نصوص عبد الرحمن من البعد السياسي / الموضوع السياسي فقصة "              " تجسد حالة صراع القوة التي تنهي لصالح الأقوى وقصة " انحراف " التي تجسد أحرار للبحث في أكوام الزبالة , والتساؤل عن ماذا البحث ؟ وغالباً عن لقمة يسد بها        ولكن المطاردة من

هي التي جعلته ينحرف عن إصراره .

والقصة لها بعد سياسي يرمي علي حياة الفلسطينيين الذين تهدمت من حولهم بيوتهم وأصبحوا يبحثون عن لقمة وسط الأنقاض !  

فتهاجمهم الخنازير / الجنود الإسرائيليين التي تأكل لحم الأطفال .

( وجد خنزيراً يفترس جثة رضيع متورمة ) ص5 .

الصورة قاسية للذي يتأمل فيها ويتخيلها .... حيث نجح القاص في أن يعطينا الصورة دون رتوش ويجسدها أمامنا قاسية ...

كما هي .

(( السرد ))

غلب علي السرد الاتجاه الأوحد , الذي يتصاعد حتى لحظة الانغلاق .

ففي قصة " ابتلاع " يأتي السرد أوحد حتى لحظة الانغلاق ( في المطار يتكاتف الصراخ , تزايد حالات الإغماء . تتحدها العبارة التي تتردد بعشوائية ( سقطت في المحيط ) ص1 .

حيث نري انغلاق الحدث عند الموقف الذي أغلبه الفرحة في قلب بطلة النص التي ( اتجهت مسرعة لسيارتها تزفها الآمال بعد أن حدد يوم الخميس القادم يوم زفافها ) ص1 .

 وفي قصة " خضراء الدمن " يبدأ السرد الأوحد بالإعجاب من رقصة الراقصة ويتصاعد الحدث /        حتى لحظة الانغلاق ( ..... وهي ملتصقة متجهة نحو البحر ) ص2 .

وفي قصة " ديوك " يأتي السرد أيضاً علي المستوي الأوحد حتى لحظة الصدمة ( عندما تأكد من صورته نهض فزعاً يتضاءل كدجاجة تسمع صوت ديك من مسافة غير بعيدة ) ص2 .

حيث يصطدم صاحب الحدث . بما يتناقض مع وجه في بداية الحدث ينهي الحدث بكشف هذه الحقيقة للقارئ .

 

 

 

 

 

 

 

 

((خاتمة ))

 

حاولت المجموعة الأولي لعبد الرحمن أبو المجد , أن تأخذ اتجاهاً جديداً في شكل القصة القصيرة , وأن لم يكن اتجاهاً فريداً , فقد مارسه الكثير من الأدباء الكبار , يوسف إدريس في قصة " المرتبة المقعرة " , ونجيب محفوظ في " أحلام فترة النقاهة "

رفقي بدوي , محمد المخزنجي وغيرهم .

ولأن هذا الشكل يحتاج إلي رؤية أعمق في موضوع الحدث , ويحتاج إلي اللمحة التجريدية في الفن , فإن عبد الرحمن يشعر كثيراً بقارئه البسيط , الذي لن يستطيع الصبر معه في البحث والتأويل والتأمل لهذا اختصر الطريق , وسيطر علي نصه وأغلق عليه أبواب الانفتاح .....

المصدر: عبد الرحمن أبو المجد – بقايا براءة تتلاشى – إصدار الهيئة العامة لقصور الثقافة – فرع أسوان – سلسلة حورس (1) .
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 31 مشاهدة
نشرت فى 31 يوليو 2012 بواسطة alameltasweq

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

2,030