authentication required
 

جمال سلطان   |  18-03-2012 19:18

كأنما قدر مصر هذه الأيام أن تعانى الفراغ فى أكثر من مجال، فبعد الفراغ السياسى، الذى عاشته بإسقاط النظام السابق، ها هى المؤسسة الدينية الخطيرة، الكنيسة الأرثوذكسية، تعانى فراغا جديدا مفاجئا برحيل البابا شنودة الثالث، بعد رحلة طويلة من الاشتباك مع قضايا الوطن الدينية والسياسية والاجتماعية، اختلف فيها الرأى بقوة، وانقسم المجتمع حيالها بين مدافع ومهاجم، مرحب ومنتقد، حيث تقاطعت الخلفيات والنوازع السياسية والحزبية، رحلة طويلة عاصر فيها البابا الراحل أربعة من رؤساء الجمهورية، بدءًا من عبد الناصر حيث شهدت مرحلة صراعه مع الأنبا كيرلس، والتى أدت إلى اعتزاله المؤقت، ثم السادات حيث انتهى الأمر بصدام عنيف حسمه السادات بإبعاده عن كرسى البابوية واختيار لجنة خماسية لإدارة شؤون الكنيسة، ثم مبارك حيث كانت مرحلة التحالف القوى بين المؤسسة الكنيسة ومؤسسة الرئاسة، وهو التحالف الذى جعل البابا يضع رهانه الكامل على "أسرة مبارك" حتى الساعات الأخيرة قبل خلعه بضغط ثورى هائل.

ليس هذا وقت تقييم تجربة البابا شنودة، وأتصور أن الجدل حول دوره وتقييم مشروعه السياسى والدينى سيتسمر طويلا، ولكن الأهم هو التفكير فى المستقبل أكثر من التفكير فى الماضى، سواء لمصر أو للكنيسة الأرثوذكسية كمؤسسة وطنية مهمة ومؤثرة فى نسيج الوطن، شخصية البابا كانت آسرة ومهيمنة على الشأن القبطى بصورة غير مسبوقة، والكاريزما التى امتلكها ودعمها بإدارة صارمة لا تعرف التسامح مع المخالف، سواء كان المخالف داخل الكنيسة أو خارجها، لم تترك أى مساحة لوجود كيانات أو شخصيات قبطية تنازعه ولو جزءًا من هذا النفوذ أو الكاريزما، والكل هرب من أمامه، حتى تلك النخبة العلمانية القبطية الرفيعة التى اشتهرت بخلافها الشديد مع البابا ودوره وهيمنته، ميلاد حنا نموذجًا، وهذه الهيمنة بقدر ما كان لها وجهها الإيجابى عندما تتعامل الدولة مع شخصية واحدة لها مطلق الأمر والنهى والتوجيه داخل الطائفة، بقدر ما كان لها سلبياتها التى كان أخطرها تحول الحالة القبطية من نسيج وطنى متداخل مع بقية مكونات الوطن إلى كتلة شعبية ودينية متحوصلة فى مواجهة الوطن وأغلبيته الدينية مما ولد مشكلات وأزمات طائفية عديدة زادت وتيرتها فى السنوات الأخيرة بصورة ملحوظة.

غير أن أهم ما تولد عن هذه الكاريزما والهيمنة هو تفريغ المحيط السياسى والدينى فى الحالة القبطية من الكوادر والقيادات التى يمكن أن ترث هذه المكانة أو أن تضطلع بهذا الدور المتشعب، هناك رؤوس كثيرة تتطلع للكرسى بدون شك، وهناك قلق كبير داخل الحالة القبطية يصل إلى حد الخوف من تفجر داخلى، لكن لا توجد الشخصيات التى تملك الإجماع أو القبول العام، الذى لا ينازع، وهو ما يجعل مستقبل "كرسى" البابوية مفتوحًا على كل الاحتمالات.

بدون شك، كان انكسار نظام مبارك يمثل انكسارًا لرهان البابا على صورة المستقبل، وهو ما جعل قبضته تضعف وتخف كثيرا عن حراك قبطى جديد متجاوز لهيمنة الكرسى البابوى، كما أتت الثورة المصرية ـ بزخمها وروحها وروعتها الآسرة ـ لتحرر قطاعات كثيرة من الشعب المصرى من أسر الولاءات الاستثنائية وفكرة الطاعة العمياء، دينية أو سياسية، وولدت حالات من التمرد والتجاوز لدى الأجيال الجديدة تجاه مرجعياتها الدينية والسياسية، وهى حالات يمكن إدراكها بوضوح من خلال تنظيمات وقوى مسيحية جديدة، كما يمكن إدراكها بوضوح أيضًا فى تمردات شبابية داخل التيارات الإسلامية التاريخية، وهى مظاهر تؤكد على أن مصر المستقبل سوف تختلف جذريًا عن مصر الماضي، فى خريطتها السياسية والدينية والثقافية والإنسانية.

[email protected]
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 49 مشاهدة
نشرت فى 18 مارس 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,487