أحمد عبد المجيد مكى | 18-03-2012 15:03
ليس من شك في أن أعظم ما يفتخر به الإنسان المسلم هو انتماؤه للإسلام وإيمانه بنبيه الكريم، وقد جاء الإسلام بمنهج راق في قضية الانتماء هذه، ولأمة الإسلام قداسة عظيمة، جعلها الإسلام مَعْلماً من معالمه، غير أن هذا الانتماء ليس مجرد شعار يرفع ولا كلمة تقال، بل ولا حتى نص فى الدستور، إنما الانتماء الصحيح يعنى تطبيق الإسلام بمعناه العام والشامل، بحيث تغدو الحياة مهتدية فى كل شعابها بهدي الدين فى السيرة الفردية، وفى سائر أنواع التعاملات المختلفة.
والمصريون منشغلون اليوم بسباق الرئاسة، وهى نازلة جعلت الحليم حيرانا، وقد انقسم الناس على من يقع اختيارهم عليه انقساما شديدا.
فى هذا الخضم الهائج تتجلى أهمية تحكيم مقاصد الشريعة بحكم أنها تنظر إلى ماوراء الظواهر والنصوص من الأهداف والغايات، لعلنا نرى بها شعاعا من نور يفرق- لا بين الحق والباطل ـ إذ ليس ثمة ما نحن بصدده حق وباطل - ولكن يفرق بين ما هو حق وما هو أحق.
فإن لم نصب الهدف اقتربنا منه، وفى الأثر: سددوا وقاربوا، ولا يتسع المقام لذكر الأدلة على اعتبار المقاصد عند النظر والإستدلال والتطبيق والتنزيل، وفى سورة الكهف من نبأ موسى مع العبد الصالح ما يكفى للتدليل على ما أريد، ولا أعني بالمقاصد هنا النيات، إنما أعنى بها الأهداف والغايات.
والإهتمام بفقه المقاصد يعنى التخفيف من الإلتزام بالظواهر والنصوص- التى قد يأنس بها الشباب - والنظر الى ماوراءها من الحكم والمصالح والغايات، وهو عمل كبير يحتاج الى الفهم والخبرة بالواقع المعاش، وهذه النقطة بالذات تفسر لنا لماذا دب الخلاف بين الشباب والشيوخ فى كبريات الأحزاب والحركات الإسلامية .
وتتكون منظومة المقاصد من حلقات يأخذ بعضها بعناق بعض أهمها:
أولا - فقه التدرج: سنة من سنن الله، ألم يخلق الله السموات والارض فى ستة أيام، والتدرج فى التطبيق مبدأ إسلامي أصيل، له حكم جليلة ،إذ يجمع بين الواقع والمثالية، ولا يستعجل أصحابه الأمور قبل أوانها، بل يسيرون بالقافلة على قدر ماتطيق، ولا يعنى التدرج الدخول فى سنوات التيه- هربا من التطبيق أوالتفافا على الهدف الأساسي - وإنما يستلزم وجود خطة ورؤية واضحة تزحف رويدا رويدا نحو الهدف والغاية ، والتدرج كما يراعى فى المنهج والخطة والجوهر يراعى أيضا فى المظهر والملحظ والملفظ، ليكون للغير نصيب لا يمس الثوابت والأصول .
ثانيا - فقه المآلات : أو ما يعرف حديثا بفقه التوقع، ويقصد به تقدير عواقب الفعل، أوالحكم على المقدمات قياسا على عواقبها، فلا يكون النظر سطحيا تحكمه اللحظة الراهنة دون تصور إلى ما ستؤول إليه الأمور فى نهاية المطاف، فالشئ قد يكون مشروعا ولكن يمنع باعتبار مآلاته، وقد يكون غير مشروع ويترخص فيه باعتبار مآلاته، وفي الحكمة: من ضحك أخيرا ضحك كثيرا، وإهمال هذا الفقه على الأمة في عمر الدعوة أدى إلى شر كثير .
ثالثا - فقه الاولويات : فالقيم والأخلاق والتكاليف متفاوته فى نظر الشرع تفاوتا بليغا، والعاقل الحصيف هو الذى يقتلع جذور الأخطر فالأخطر من الخبائث، ويقيم صرح الأهم فالأهم، وليس بين الحكماء خلاف على أولوية حماية الدماء والأموال والأعراض، والإهتمام بهذا الفقه يضبط حركة المجتمع ويرشد التخطيط والتفكير، بما يضمن الوقاية من الجنوح إفراطا او تفريطا.
رابعا - فقه الموازنات : ويقصد به تغليب جانب على جانب، ويعتمد على الموازنة بين المصالح بعضها على بعض، فتقدم المصلحة المتيقنة والكبيرة ومصلحة الجماعة والمصلحة الدائمة والجوهرية، ولا يعقل تفويت مصلحة متيقنة تحصل لجمهرة كبيرة من الناس من أجل تحقيق فائدة مظنونة، كما يقارن بين المفاسد بعضها وبعض، فيقدم الإهتمام بالمفاسد التى تعطل الضروريات على المفاسد التى تعطل ما هو أقل من الضروريات، فيرتكب أخف المفسدتين، ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
إننا إذا استصحبنا الأنواع السابقة عند إجراء المقارنة بين المرشحين المحتملين، ربما قادتنا ولو على سبيل الظن الراجح إلى تحديد دائرة المرشحين الذين يرجى من وراء إختيار أحدهم تحقيق أكبر قدر ممكن من مصالح الدولة وصيانة حقوقها بأقل الخسائر، و تظهر أوجه الموازنة من خلال أسئلة مهمة:
1ـ هل نختار من يحمل فكرة تطبيق الشريعة قلبا وقالبا، ويصارح فى ذلك دون أدنى مواربة باعتبارذلك خطوة أولى نحو الخلافة الرشيدة ،ولاعبرة فى هذه الحالة بعدو ماكر فى الداخل و الخارج؟.
2ـ هل نختار مرشحا ظاهره الإستقامة، يحمل الفكرة فى قلبه أو حتى على الأقل لا يعارضها، وينشغل بتحقيق الضروريات، ويتمكن الإسلاميون به من محاصرة الشرور واحتلال مواقع أكثر، وعلينا أن نغض الطرف عن بعض التجاوزات التى يمكن أن تغتفر مراعاة لما أشرنا اليه.
كما أن دفع الفتنة والإستقرار بجميع أشكاله أحد المقاصد الشرعية، ومن قواعد الفقه المشهورة :(من استعجل الشىء قبل أوانه عوقب بحرمانه)، وأعداء المشروع الاسلامى لا يرسمون فى الهواء ولا يبنون فوق موج البحر، فلو شغلناهم معنا بالعمل العام لتحقيق الضروريات دفعا لشرهم .
إن النقاط السابقة محاولة لتحريك همم واستنفار عزائم المخلصين - وبالأخص الشباب- للنظر في المسألة وتدبر أبعادها وعواقبها من وجهة نظر مقاصدية.
وإذا قلت لى: عرفنا من ستختار، قلت لك أعد قراءة المقال مرة أخرى، فلربما اهتديت إلى من سأسقطه مباشرة من حسابي، ولسان حالى يقول: والله إنك لمن أحب الناس إلي ، ولولا أن واقع قومى أكرهنى على عدم إختيارك لأخترتك، ولكنها طبيعة المرحلة.
والأمر فى اختيار غيره واسع، وكثيرون متفقون على استبعاد مرشحي العهد البائد، واستبعاد مرشحي اللون الأبيض، فكلاهما غير صالح لمرحلة الانسلاخ التى يمر بها واقعنا، تلك المرحلة المشار إليها فى قول الله" وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون " وقديما قالت الحكماء : إنك لا تستطيع نقل أهل مدينة إلى مدينة أخرى ولكن تستطيع أن تعبد لهم الطريق.
نسأل الله أن يولي من يصلح.
باحث فى مقاصد الشريعة الإسلامية



ساحة النقاش