د. صلاح عبد السميع | 26-11-2011 13:33
أحاول في هذا المقال توضيح الفرق بين المدنية الإسلامية والليبرالية العلمانية، حيث تم تصدير تلك المفاهيم وعرضها عبر وسائل الإعلام، دون توضيح للقارئ بما تشير إليه تلك المفاهيم، والى أي مدى يجب على الناخب أن يعي ويدرك المعنى والمغزى الحقيقي من تلك المفاهيم.
يشير الدكتور عبد الحميد أبو سليمان رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في كتابه المعنون بـ "إشكالية الاستبداد والفساد" إلى أنه من المهم أن نضع الفرق بين المدنية الإسلامية والليبرالية العلمانية نصب أعيننا؛ لأن مفهوم العلمانية المطلق، بمعنى مجرد الفصل بين الحكم والسياسة، وبين الدين، يجعله مصطلحاً ومفهوماً مرفوضاً من الإسلاميين، وهو مليءٌ بخلفيات نفسية، تجعله يعني التغريب، والحجر على الإسلام، والدعوة إلى التحلل الأخلاقي.
والحقيقة هي أن عقيدة الغرب الاجتماعية، ليست مجرد علمانية تعني الفصل بين السلطة والدين، ولكن العلمانية في الغرب، وخاصة في أوروبا، تعني أيضاً الليبرالية الاجتماعية، أياً كان التوجه الاقتصادي، رأسمالياً كان أم اشتراكياً أم شيوعياً.
وترجع نشأة الليبرالية في أوربا إلى ردة فعل الشعوب الأوربية على استبداد الكنيسة وفسادها حين استولت على السلطة واستبدت وأفسدت الحكم، فثارت الشعوب الأوربية وأزاحت سلطة الكنيسة وإملاءات كهنتها المستبدة، وبذلك لم يبق للكنيسة ما تقدمه، لأن ما تبقى لديها من النصرانية ليس في جوهره إلا مجرد دعاوى هي أقرب إلى الخرافات، وهذا الأمر أوجد فراغاً في مجال العلاقات الاجتماعية، كان لابد من أن يرتد الفرد فيه إلى الجانب الطيني وإلى نزواته الحيوانية لتكون هي المرجعية لما يفعله الفرد، وليس لأي فرد أن يملي على سواه مفهوم الصواب والخطأ، الأمر الذي أزال كل أساس للالتزام الأخلاقي إلا ما كان من ذلك قائماً على أساسٍ مصلحيٍّ بحت، ففرطوا أكثر ما فرطوا في حق الأسرة، بكل ما جر ذلك إليه من آثار اجتماعية سيئة أقلقت الشعوب الغربية، دون أن تجد مرجعية أخلاقية روحية تخرجها منها وتردها إلى الفطرة الغائية التكاملية السوية في الخلق.
أما الكنيسة فقد تُرِكَ لها حريةُ مزاولة شكلياتها وخرافاتها التي لم يعد لها أثر في توجيه حياة المجتمع، وأصبحت شعوب الغرب في حالة فراغ روحي أخلاقي لا يبقي لهم في حياتهم من هدف أو معنى سوى طلب اللذة والمتعة، وأن الفرد (الإنسان) هو المرجع، ومعنى هذا أن المرجعية الوحيدة لدى هذا الإنسان ومجتمعه في تقرير الصحيح والخطأ هي مرجعية ذاتية بحتة، ولا مجال فيها للتفرقة بين الفطري والمنحرف، أو الأخلاقي والبهيمي، وليصبح بذلك الماديون شعوباً من اللا أدريين، وهذا لا يعني أنهم ملحدون منكرون، ولكن هذا يعني أنهم ليس لديهم مرجعية هداية إلهية دينية وعقلية فطرية يلتزمون ثوابتها ويؤمنون بقيمها ومبادئها الفطرية الأخلاقية، ولذلك هم في لهاث تيه، حيث السلوكيات تحركها دوافع رغبات وانحرافات بهيمية.
وحالة "اللا أدرية" هي السبب في رفض شعوب أوربا أن يُنَصَّ في دستور اتحادها ووثائقه على أن ثقافتها ثقافة مسيحية. فحالة أوربا ليست مجرد علمانية، ولكنها "علمانية ليبرالية"، والليبرالية الاجتماعية هي المسئولة اليوم في المقام الأول عن التدهور الروحي والأخلاقي، وعن انهيار الأسرة وتفشي العنف الاجتماعي المتزايد في بلاد الغرب.
أما "المدنية الإسلامية" بالتعبير الذي يجب أن تدعى به هي "علمانية" روحية أخلاقية؛ لأنها وإن كان المقصود بها إبعاد يد السلطة عن التعليم الديني وعن نشاط الدعوة، إلا أن الإسلام له بعده الروحي وقيمه الأخلاقية التي تخالط نفسية الإنسان المسلم، وبها يستشعر الالتزام في الحياة وفيما بعد الموت، ولذلك فالتعبير السليم عن الحالة الإسلامية أنها "مدنية إسلامية".
وهذا المحتوى الروحي والأخلاقي الإسلامي الذي يدين به الإنسان المسلم، برغم كل ما خالط فكره ومناهج وسائله التربوية من تشويه، أحدث فصاماً بين العقيدة والسلوك، إلا أن التزامه النفسي الروحي يجعله في حراك مستمر لتفعيله في واقع حياته، وهذا الدافع النفسي الفطري العقلي الروحي هو طوق النجاة للأمة والإنسانية ليقودها مجدداً إلى بر السلام.
هذا المحتوى هو من أهم العناصر التي تجعل أوربا والغرب لا يرحبون بالحضور الإسلامي في مجتمعاتهم، ولا يرحبون بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، برغم أنها أخذت بجميع الوسائل الديمقراطية، وحققت أداءً اقتصادياً رائعاً، وحققت بالفعل الفصل بين الحكم والسلطة والبرامج السياسية وبين الدين والنشاط الدعوي الديني وما يمثله من عقيدة روحية وخلقية وجعلته متروكاً لعمل مؤسسات الدعوة ومؤسساتها وهيئاتها الأهلية، أي أصبحت بمفهومهم أنها دولة "علمانية" "ديمقراطية"، والسبب في ذلك أنهم يعلمون أن الفصل بين السلطة والدعوة الدينية أو ما يدعونه في تجربتهم "بالعلمانية" لا تعني عند المسلم قيماً اجتماعية ليبرالية، بل هي قيمٌ روحية أخلاقية إسلامية، يخشون مما تحدثه من خلخلة وتأثير غير مرغوب فيه من قِبَلِ كهنة التحلل والانفلات الحيواني ومصالحهم التجارية في تجارة الرذائل الأخلاقية، وإدمان مجتمعاتهم عليها.
وهكذا، فإن المصطلح الصحيح للمجتمع الإسلامي ولنظام حكمه هو "المدنية الإسلامية"؛ حيث يعني أن الفصل بين الدعوة والتعليم الديني، وبين السلطة والحكم، يقصد منها أن لا يتمكن رجال السلطة من تشويه مبادئ الدين واستغلاله للسيطرة على جمهور الأمة لمصلحة الحكم والسلطة، واحتكار السلطة والثروة وتفشي الاستبداد والفساد.
اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
أرسل التعليق
تعليقات حول الموضوع
دعاء إلي الله أن يسدد خطاك
د زكريا سليمان | 27-11-2011 14:04
هذه المفاهيم وغيرها غائب عن ساحتنا الثقافية وعن رواد التحرير وأقطاب القنوات الفضائية ولا يريد بعضهم أن يقر بعد علمه ليتهم يتداركون ويحاولون التعلم
لماذا نعاند ونكابر ونتحدى النموذج الاسلامى المستنير ؟
مدحت على | 27-11-2011 11:32
اذا كانت تلك هى رؤية الدولة المدنية بمفهومها الاسلامى ، فلماذا اذا لم تخرج برامج الأحزاب الاسلامية لتعلن للناس ذلك بوضوح وبساطة ، لم اكن اعلم تلك المقارنة من قبل ، واشكر جريدة المصريون على طرحها المتميز ، والذى تتبنى من خلاله الفكر الهادف والمستنير ، شكرا لك استاذى الكريم دكتور صلاح .
علمت الآن لماذ تهمش التربية الاسلامية فى مدارسنا ؟
جمعة المنياوى | 27-11-2011 11:26
بعد أن قرات المقالة التى تجمع بين الحداثة والتأصيل المنهجى الواضح تبين لى لماذا تهمش التربية الاسلامية فى مناهج التعليم بمصر ، ولماذا يساء فهم الاطار القيمى الذى يجب أن يسود حتى تستعيد الأمة هيبتها وحضارتها ، وما بين تقليد اعمى للخارج الذى تفنن فى الرزيلة الأخلاقية ، وابدع فى الجانب المادى ، وحدث لديه فراغ وجدانى حقيقى ، وجدت أمتى ووطنى قد ابتعد تماما عن الاطار الأخلاقى وفشل فى استبعاب العلم بمفهومه الحقيقى ، لهذا نحن فى حاجة الى الدولة المدنية الاسلامية .
الله عليك يا دكتور صلاح
سمر رمضان | 27-11-2011 09:52
انرت اذهانا،بارك الله فيك وفى امثالك ...تحياتى وتقديرى
مقال مفيد
أ.د شريف محمد الهادى | 27-11-2011 07:32
هذا مقال مفيد فعلا وجزاك الله خيرا
تحالف الخارج مع الداخل لمنع الوجود الاسلامى
مدحت عمار | 27-11-2011 00:34
لا يمكن لعاقل يعى قيمة ووزن مصر أن يتخيل أن مؤامرة الخارج مع بعض القوى فى الداخل منذ الثورة لم تتوقف للحظة بل هناك غرف مغلقة تبحث كيف تضرب الاسلامى بالاسلامى ، وتسعى عبر الاعلام المأجور الى الاساءة لكل ماهو اسلامى حتى وان ابدى حسن النوايا فى طرحه من خلال تبنى النموذج المدنى المتحضر للدولة ، وما يحدث اليوم فى مصر خير شاهد على ذلك .
فكر مستنير
امل محمود | 27-11-2011 00:14
فإن المصطلح الصحيح للمجتمع الإسلامي ولنظام حكمه هو "المدنية الإسلامية"؛ حيث يعني أن الفصل بين الدعوة والتعليم الديني، وبين السلطة والحكم، يقصد منها أن لا يتمكن رجال السلطة من تشويه مبادئ الدين واستغلاله للسيطرة على جمهور الأمة لمصلحة الحكم والسلطة، واحتكار السلطة والثروة وتفشي الاستبداد والفساد. ياريت الأحزاب الاسلامية بما فيها حزب النور والأصالة يتبنوا هذا التعريف حتى لا يحاول البعض تصوريها على انها احزاب تتبنى فكر متعصب .
الأمية التاريخية
وسام السعدى | 27-11-2011 00:08
أكاد اجزم أن كثير من المثقفين والمتنطعين الذين يتشدقوا ليل نهار فى وسائل الاعلام بالحديث عن الديمقراطية ومفراداتها ، ليس لديهم اى علم بما تم طرحه من أفكار تضمنتها المقالة ، ياريت كل المثقفين والعاملين فى الحقل السياسي يعلموا ويعملوا بوعى بكل ما تم ذكره فى المقال .
عرفت الآن لماذا يرفض الاتحاد الأوربى ضم تركيا اليه ؟
محسن نعمانى | 27-11-2011 00:05
لأول مرة أعرف على المستوى الشخصى تلك الخلفية التاريخية لظهور مفهوم الدولة العلمانية فى أوربا ، لهذا اقول وبكل فخر اهلا وسهلا بالدولة المدنية الاسلامية التى يعيش فى رحابها المسلم والمسيحى فى ضوء اطر اخلاقى يحترم الفضيلة وينبذ الرزيله ، وفى النهاية هى دولة مدنية تحترم الجميع وتسعى للنهضة والتقدم ولا تمارس الاقصاء للآخر ...
توعية مطلوبه للمجتمع
محمد يونس | 26-11-2011 23:48
فى البداية لك منى خالص الشكر على المقاله التى تعبر عن فكر ومنهج واضح تعبر عنه عبر هذا الصرح الاعلامى الذى نثق به والمتمثل فى جريدة المصريون . وتعليقى هو أن النخب من المثقفين عليهم أن يمارسوا دورا واضحا فى توعبة المجتمع المصرى فى اللحظة الراهنة بالفرق بين الدولة المدنية بمفهومها الاسلامى وبين الدولة العلمانية بمفهومها الغربى ، جزاك الله عنا كل خير وعن كل قراء الجريدة



ساحة النقاش