مؤمن الهبَّاء | 30-11-2011 13:44
محظوظ من يحصل على فرصة ثانية فى هذا البلد.. فنحن بلد الفرصة الواحدة والضربة الواحدة والحظ الذى لا يأتى إلا مرة واحدة..
ولم يحدث على مدى السنوات الستين الماضية - سنوات حكم الجنرالات - أن ترك مسئول كبير موقعه مقالاً أو مستقيلاً ثم عاد إليه بعد سنوات طوال ليخوض تجربة ثانية، ودعونى أذكركم بأن نظام تحسين المجموع فى الثانوية العامة قد ألغى أيضاً وتم التضييق حالياً على نظام الملاحق حتى لا يحصل أحد - أياً كان - على فرصة ثانية أو فرصة إضافية.
ومن ثم يجب أن يدين د. كمال الجنزورى، رئيس الوزراء الأسبق، ورئيس الوزراء المكلف حالياً بالشكر والامتنان لثورة 25 يناير، فهى صاحبة الفضل - قبل المجلس العسكرى - فى تحقيق هذه السابقة الحضارية معه.. كما كانت صاحبة الفضل مع الدكتور أحمد جمال الدين موسى، وزير التعليم، الذى خرج مطروداً من المنصب الوزارى فى عهد مبارك ثم عاد إلى موقعه ومنصبه ذاته فى حكومة د. عصام شرف.
وكان الدكتور كمال الجنزورى قد حصل على تعاطف شعبى واسع بسبب الطريقة التى خرج بها مغضوباً عليه من مملكة آل مبارك، وبدا لى وقتها ولكثيرين غيرى أن هذا التعاطف لا يعبر عن كراهية وبغض وانعدام ثقة فى آل مبارك.. وهذه الكراهية لم يكن باستطاعة الناس أن تبديها للسلطة الفاسدة بشكل مباشر.. وإنما بالطريقة المعاكسة التى أدمنها المصريون: أحب الجنزورى نكاية مبارك فى مبارك وجمال والهانم.. وعدو عدوى صديقى.
وصاحب خروج الجنزورى من الحكومة شائعات كثيرة جعلت منه بطلاً قومياً وشعبياً.. أشهرها بالطبع تلك الشائعة التى تقول إن جمال طلب منه تخصيص قطعة أرض بآلاف الأفدنة فنهره قائلاً: (خللى الراجل الكبير يقوللى).. فجاءه صوت الرجل الكبير: أقعد فى بيتك يا جنزورى.
لا نعرف بالضبط حقيقة ما حدث بالكامل بين الجنزورى وآل مبارك، وهذه الشائعة قد لا تكون صحيحة بالمرة، لكننا ندرك يقينا أن الجنزورى أخرج من المنصب مغضوباً عليه.. ولم يعامل معاملة كريمة كسابقيه ولاحقيه.. وأن هذا الخروج كان بسبب وشايات ضده لأنه كان صاحب رأى ورؤية وله كاريزما.. ومجموعة الأقزام التى كانت تحمل عرش مبارك وتلتف حوله لم تسترح له أبداً..
وأشهد أنه فى أول احتفال بنصر أكتوبر عقب خروجه من رئاسة الحكومة دخل د. الجنزورى إلى مكان الحفل فى الصالة المغطاة فاستقبل بعاصفة من التصفيق من جانب الحضور - وكنت بينهم - بينما استقبل باقى رجال الدولة السابقين والحاليين بفتور وعدم اكتراث وقد كان منهم صفوت الشريف وعبيد وعلى لطفى وفتحى سرور وزكريا عزمى وكمال الشاذلى وممدوح البلتاجى وغيرهم من الوزراء والمسئولين.. ولم ترتفع الأكف بالتصفيق مرة أخرى إلا عندما دخل مبارك ومعه المشير طنطاوى إلى المقصورة الزجاجية.
ساعتها قلت لمن حولى: هذه أول وآخر مرة يظهر فيها الجنزورى فى لقاء عام.. فقد كان التصفيق وبالاً عليه.. وبالفعل صدرت التعليمات بألا يشارك فى أى احتفال عام للدولة.. ولم يفك الحصار من حوله إلا فى سنوات مبارك الأخيرة، عندما ساد شعور بأن الجنزورى انتقل إلى معسكر المناوئين فكان من الضرورى أن يظهر فى مؤتمرات الحزب الوطنى وبعض الفعاليات لإثبات ولائه وانتمائه لمملكة آل مبارك.
والله وحده يعلم إلى أين ستصل به الفرصة الثانية المتاحة حالياً.. فهناك تخوف حقيقى من أن تتحول إلى محرقة له ولحكومته إلى الدرجة التى يندم فيها على هذا الظهور الثانى.. ويتمنى أن لو اكتفى بالصورة الجميلة الإيجابية السابقة التى رسمت له فى أذهان الناس كضحية ومظلوم ومفترى عليه فى عصر مبارك.
وأن يظل الشهيد الحى الذى يحترمه الناس ويتذكرونه بالخير..
وعلى الجانب الآخر تتيح له الفرصة الثانية أن يسترد كرامته ويستكمل برنامجه ويدفع عن نفسه الاتهامات التى ألصقت به.. لكن الميزة الأهم أن هذه الفرصة الثانية جاءت بعد سنوات من التفكير والتأمل عن بعد.. وبعد أن أتيح له وقت طويل ليفكر فى أخطائه ويعيد النظر فى سيرته الأولى ليتجنب الأخطاء والسلبيات ويصبح على وعى كامل بها ليصححها ويقدم تجربة جديدة ناضجة..
ومن باب (رحم الله رجلاً أهدى إلى عيوبى) و(المؤمن مرآة أخيه) يجب أن نصارح الرجل الكبير - قيمة وقامة -بالأخطاء التى مرت عليه فى أثناء عمله بعيداً عن الوشايات الفارغة، وأول هذه الأخطاء الإسراف فى الوعود والاعتماد على تخدير المشاعر والحرص على تقديم صورة وردية للواقع استنادًا إلى ما سيكون فى المستقبل وليس استناداً إلى حقيقة الحاضر..
وكذلك الإسراف فى استخدام الأرقام لإيقاف العقول عن التفكير وتعجيزها.. فقد أثبت فى تجربته الأولى أنه ماكينة تخليق للأرقام، والأرقام لا تكذب.. هكذا يقولون.
لكن الحقيقة أن الأرقام أحياناً تكذب وتكذب وتكذب، عندما تستخدم كأفيون للشعوب، باحتراف عال.
وهناك اتهام آخر ألصق كثيراً بالدكتور الجنزورى يتعلق برغبته - كما قيل - فى التكويش على السلطة، وانتزاع الاختصاصات من الوزراء حتى يبدو أنه الرجل الأوحد، والرجل الأهم الذى يجمع كل الخيوط بين يديه.
لعبة التكويش هذه لم تعد تصلح فى العصر الثورى الديمقراطى المنفتح، فالجماهير طالبت بأن يحصل رئيس الحكومة على اختصاصات كاملة وواضحة ومعروفة، وقال د. الجنزورى نفسه إنه أخذ اختصاصات وصلاحيات السلطة التنفيذية كاملة، والجماهير تطالب أيضًا بأن يكون لكل وزير صلاحيات واختصاصات وسلطات واضحة وكاملة تسمح له بأن يفكر ويجتهد ويبدع ويظهر شخصيته وكفاءته.
زمن الـ (وان مان شو) ولى ولن يعود إلى الأبد.. ولابد أن تتأقلم الكفاءات العتيدة مع قيم الزمن الجديد.. وغلا فإن قطار الزمن سوف يتركها ويغادر.
ثم هناك اتهام ثالث يظهر دائماً فى مواجهة الدكتور الجنزورى وهو عدم قدرته على تحمل النقد الصحفى والإعلامى الثقيل.. الذى يصل أحيانا إلى درجة الوقاحة.. وربما كان السبب فى ذلك اعتداد الرجل بنفسه وثقته فى كفاءته ونزاهته ونظافة يده.. وهنا لابد من التنبيه على أن الزمن قد تغير كثيرا.. وواجب الدكتور الجنزورى وحكومته أن يتكيفوا مع الزمن وتقلباته.. وأن يتحملوا النقد إلى أبعد مدى.. وأن يتخلص د. الجنزورى نفسه من الحساسية تجاه النقد.. فالرجل العام والمسئول الأول يجب أن يتسع صدره للجميع حتى لو اقتضى الأمر التنازل قليلاً عن كبريائه وليس عن كرامته.
أقول هذا وأنا أعرف تفاصيل أزمة د. الجنزورى مع روز اليوسف والدستور القديمة وإبراهيم عيسى وعادل حمودة وأعرف أنه كان على حق، وأنه التزم بتطبيق القانون ليس إلا.. بينما الطرف الآخر كان يتصور أنه فوق القانون وأنه يسأل ويسئل.
بقيت إشارة مهمة لابد من ذكرها فى هذا المقام تتعلق بأولويات المرحلة الحالية وما ذكره د. الجنزورى عن توشكى والمشروعات الكبرى التى يريد أن يستكملها.. وهذا والله أمر جيد، لكن المشكلة أن هذه المشروعات قد يكون ترتيبها "فجى" مرحلة تالية وليس الآن.. نحن الآن فى حاجة ماسة إلى توفير الطعام ورغيف الخبز وتشغيل المصانع المتوقفة وعلاج مشاكل البطالة والغلاء والإسكان والتعليم والصحة والأجور المتدنية وميزانية الدولة يجب أن تذهب إلى هذه البنود أولاً حتى يأتى دور توشكى وأخواتها.. وهى مشروعات مهمة وحيوية جداً .. ولكن على المدى البعيد.



ساحة النقاش