د. محمد عمارة   |  22-11-2011 13:24

كان عمر بن عبد العزيز (61 – 101 هـ ، 68 – 720م) ضمير الأمة وخامس الراشدين، ولي خلافة المسلمين بعد انقضاء الخلافة الراشدة بنحو ستين عاماً تم فيها التراجع عن الشورى وعن العدل الاجتماعي وساد الملك العطود والخلافة الناقصة، وأصبح الحال دولة بين الأمراء والأغنياء. وفي العامين اللذين حكم فيهما عمر بن عبد العزيز كان في كل يوم يحيى سنة ويُميت بدعة، وجعل همه الأول رد المظالم إلى أهلها وإعادة العدل الاجتماعي والتكافل بين الناس .. ولقد بدأ بنفسه فرد ميراثه إلى بيت المال قائلاً: إن قومي أقطعوني ما لا أستحق وما لا يملكون !!

وكذلك صنع مع زوجه .. ومع أمراء بني أمية ومع سائر الناس.
ولقد اجتمع أمراء بني أمية فيما يشبه الثورة المضادة يريدون إيقاف هذا الذي يصنعه أمير المؤمنين وأرسلوا إليه عمته فاطمة بنت مروان فدخلت عليه وقالت له:
- لقد أردت لقاءك لأنه قد عناني أمر لابد من لقاءك فيه، إن قرابتك يشكونك ويذكرون أنك أنك أخذت منهم خير غيرك. فأجابها الخليفة العادل: يا عمة ما منعتهم حقاً أو شيئاً كان لهم، فقالت له: فيما يشبه التهديد:
- إني رأيتهم يتكلمون وإني أخاف أن يهجوا عليك يومًا عصيباً ! فكان جوابه:
- يا عمة كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شره.
ثم أراد الخليفة العادل أن يخاطب قلب عمته وأن يذكرها بأنه سيحاسب أمام الله إن ترك هذه الأموال المغتصبة كنزاً عند الذين لا يستحقونها فطلب ديناراً ومجمرة تتقد فيها النار وقطعة من الجلد ووضع الدينار في المجمرة حتى احمر ثم ألقاه على الجلد فأحدث صوت الشواء! وذكّر عمته بالآية الكريمة (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) التوبة 34 ، 35.

لكن خطاب عمر بن عبد العزيز لم يصل إلى قلب عمته فلم ترق لهذا الذي ذكرها به وأراها إياه.. وعند ذلك أراد مخاطبة عقلها وتذكيرها بفلسفة الإسلام في الاموال والثروات فقال لها: يا عمة إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً (ص) رحمة ولم يبعثه عذاباً إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه، وترك لهم نهراً هم فيه سواء، ثم قام أبوبكر فترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل على عمل صاحبه، فلما ولى عثمان شق من ذلك النهر نهراً، ثم ولي معاوية فشق منه الأنهار، ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان، حتى أفضى الأمر إلى وقد يبس النهر الأعظم ولن يروى أصحاب النهر حتى يعود إليهم النهر الأعظم على ما كان عليه.

هكذا تحدث خير الأمة إلى عقل عمته فأوجز فلسفة الإسلام في الأموال وتاريخ العدل الاجتماعي في كلمات .. لكن عمته فاطمة بنت مروان قد أغلقت عقلها وقلبها دون هذا الذي قال وودعته غاضبة وقالت: لا لقد أردت مذاكرتك، أما إذا كانت هذه مقالتك فلست بذاكرة لك شيئاً أبداً.
ثم كان الذي كان من وضع السم في طعام الراشد الخامس الذي أحيا سنة النبوة في العدل بين الناس.

  


اضف تعليقك
      الاسم :

      عنوان التعليق:

     التعليق:
  
  أرسل التعليق

    تعليقات حول الموضوع

المشهد

مصرى عربى اصيل | 23-11-2011 10:36

 لقد دمعت عينى عندما قرات تعليق ( ختم ربانى) وايضا اى حاكم عادل فى اى زمان هو عمر بن الخطاب وابو بكر وعمر بن عبد العزيز ولكن يبدو ان العدل عز على الخلق ولم يعد موجود الا فى الاثر وشاهد وقارن ما يحدث الان فى مصر بعد خلع مبارك الكل اصبح مبارك كلهم فاسدون لا ينظرو الا الى مصالحهم واصبح المشهد يتقدمه ابو جهل وابو لهب واصنام الكعبه ومسيلمه الكذاب والقرامطه والخوارج والرافضه تجمعو جميعا على مصر

 

 

الراشد الخامس

ali | 23-11-2011 10:20

 اللهم ازقنا راشدا يحكمنا ويعيد هذه الامة الى عزها ومجدهاواجعل مصر واهلها في امن وسلام وازرق اهل ليبيا الاستقرار واهل تونس الرشاد واهل طاغية اليمن وطاغية سوريا .. امين

 

 

يا دكتور عمارة

د / أحمد | 23-11-2011 09:39

 لقد كان عمر بن عبد العزيز رجلا صالحا زاهدا نعم ولكن البيئة الأموية التي تقول إنها تخلت عن العدل هي التي أنجبته وهي التي أوصلته للخلافة ، ونحن نتكلم عن عودة الخلافة الراشدة مرة أخرى ، ولكن ما أحسبنا قادرين على أن نكون مجتمعا كالمجتمع الأموي في عظمته وإلا كنا واهمين ..

 

 

رضي الله عن صحابة الحبيب ومن تبعهم باحسان الى الدين

جمال | 23-11-2011 08:46

 جزاك الله خيرا يادكتور وهذا الشبل من ذاك الاسد فجده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كان عدلا متجسدا يمشي على الارض وهو القائل (( إيه ياحق ماتركت لي صاحبا )) وصلى الله على من ربي هذا الجيل الفريد على عين الله وصنعه ليعطي مثالا فريدا للتجرد من الذات وحب الأنا ليرى بعد ذلك الحق كما اراده الله عز وجل بعيد عن عمى الشهوات والشبهات وجزاكم الله خيرا

 

 

جزاك الله خيرا

عبدالرازق | 23-11-2011 07:44

 نسال الله ان يولي عينا من يقتدي بالخلفاء الراشدين

 

 

اين انت يا دكتور عماره مما يحدث فى مصر

محمد سلامه | 23-11-2011 07:21

 استاذى العزيز دكتور محمد عماره اراك فى كل المقالات لا تغير منها حسب الحاله والاحداث ارجوك تكلم عن ما يحدث فى مصر الان وليس فى تاريخها

 

 

ختم رباني....

يسري ابو فول | 22-11-2011 22:12

 يحكي انه جاء رجل الي هشام بن عبد الملك فقال له..ايها الامير ان جدك اقطع جدي ضيعه(عزبه)فلما و لي سليمان اقرها علينا...فلما ولي عمر يرحمه الله إنتزعها منا واني اسألك ان تعيدها لنا...فتأمل هشام الرجل و قال له اعد مقالتك..فأعاد الرجل كلامه حرفيا ...فقال له هشام عجبا لك يا رجل...تذكر من اقطعكم الضيعه فلا تترحم عليه..وتذكر من اقرها عليكم فلا تترحم عليه..و تذكر من انتزعها منكم فتترحم عليه..اذهب يا رجل..قد امضينا ما امضي عمر....

 

 

خير خلف لخير سلف

ابراهيم حسن | 22-11-2011 13:52

 اللهم قيد لهذه الامة من ينقذها من الضيع يارب العالمين

المصدر: المصريون
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 55 مشاهدة
نشرت فى 25 نوفمبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,388