رحباني صديق جوهر

نقل التقانة والإرشاد الزراعي

<!--

<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} </style> <![endif]-->

   منذ ألف سنة كان السفر إلى أي مكان خارج القطر وأحياناً داخله .. على الأقدام يحتاج إلى شهور أو أعوام .. يحمل المسافر خيمته وزاده وزكائب التمر والبلح والخبز المكسر ويتوكل على الله .. وبين الفيافي والجبال والوهاد والأحراش يطل عليه الموت من أنياب ذئب جوعان ، أو قاطع طريق متربص ، أو حـر لافح يقصم الظهر، أو برد قارص يثلج العظام .. فإذا وصل سالماً فهو قد ولد من جديد ، وهي الفرحة التي لا تدانيها فرحة .. والمليونير على أيامها لم يكن يمتاز على الصعلوك إلا في الخيول المطهمة .. كان الفرس هو السيارة التي تختصر الأعوام في شهور، وكانت هذه هي سرعة البرق في ذلك الزمن .. وعرفنا السفن الشراعية لننتقل من أهوال البر إلى أهوال البحر .. يقلع المسافر فيمسك بأنفاسه وقد أدرك أنه أسلم نفسه إلى غول لا يعرف الرحمة .. فإذا وصل إلى بر الأمان دقت له الطبول والمزامير، واستقبلته الأحضان ، وسجد لله شكراً من فرحة الوصول .. أما اليوم فنحن نقطع المسافة بين الخرطوم والأبيض في ساعات بالباصات ونشعر طول الوقت بالملل والضجر والبطء وننظر إلى ساعاتنا حتى إذا وصلنا سالمين بدأنا نسب ونلعن لأننا تأخرنا نصف ساعة .. ونركب الطائرة لنصل إلى القاهرة في دقائق ، ونشكو مر الشكوى لأن الضباب والعواصف أخرت وصولنا عشر دقائق .. وحينما نسافر غدا بالصواريخ إلى المريخ سوف نكون أكثر مللا وتعجلا وسنقول : ما هذه الصواريخ اللكع ؟ ألا يعرفون في مصلحة الصواريخ قيمة الوقت ؟ وسوف تتضاعف قيمة الوقت بالفعل .. ستكون الساعة كافية للدوران حول العالم ، وسيكون الشهر مهلة عظيمة لجولة في المجموعة الشمسية .. وسوف تزداد الإمكانيات ولكن سوف تتضاءل السعادة .. وكلما ازدادت الإمكانيات ازداد الطمع .. وكلما ازدادت السرعة ازدادت العجلة .. وكلما ازداد الترف ازدادت الشكوى .. تماماً مثل حكاية الغني الذي يزداد طمعاً كلما ازداد ثراء .. وهذا شأن المكاسب المادية ، كلما ازدادت ازداد الافتقار إليها وإلى المزيد منها وبالتالي ازدادت التعاسة .. لأن السعادة موطنها القلب وليس الجيب ، ولا عبرة فيها بازدياد الإمكانيات المادية .. السعادة تنبع من الضمير .. ومن علاقة الإنسان بنفسه وعلاقته بالله وهي في أصلها شعور ديني وليست شعوراً مادياً .. وهي تنبع من إحساس الإنسان بأنه ليس وحده وأن الله معه ، وأن العناية تحوطه والإلهام بالخير يسعفه ، وأنه يقوم بكل واجباته .. ولهذا يمكن أن ينتحر مليونير يملك باخرة وطائرة وعدة ملايين من الدولارات في حين تجد العارف بالله الذي يعيش على الكفاف يضيء وجهه بسكينة داخلية لا حد لها ، ويسارع إلى نجدة الآخرين في محبة وسعادة ، لأنه يؤمن بأن للحياة معنى وحكمة وأنها لم تخلق عبثاً ، وإنما خلقها العادل الرحيم ..

بعض التواضع .. نحن في عصر العلم ما في ذلك شك – صواريخ – طائرات - أقمار صناعية - أدمغة إليكترونية وأخيراً سيارات تسير بالطاقة الشمسية في الخليج العربي .. ونحن في عصر الجهل ما في ذلك شك - فكل هذه الوسائل والاختراعات العلمية نستخدمها في قتل أنفسنا وفي التجسس على أنفسنا .. والذي لا يقتل يقول في غرور .. أنا الذي سوف أسبق إلى القمر .. أنا شعب الله المختار .. أنا على حق والآخر على باطل .. أنا أبيض .. أنا جنس آري .. أنا جنس سامي .. وبين الغرور والاستعلاء والكبرياء والعدوان يضيع العلم ويفتضح العلم ، فإذا هو تفاخر الجهلاء بما يصنعون من لعب أطفال .. وأجهل الجهل أن نجهل أمراً جوهرياً واضحاً كالنهار .. أن يجهل العالم العظيم والمخترع العبقري أنه مخلوق .. وأنه يعيش على سلفة .. على قرض .. السنوات القليلة التي يعيشها هي قرض وسلفة بأجل محدود .. وأنه لا يملك هذا القرض ولا يستطيع أن يمد في أجله .. كل ( نبضة قلب) وكل خفقة أنفاس وكل خاطر وكل فكرة وكل خطوة هي قرض .. سلفة .. هي قرش ينفق من الرصيد .. وهو رصيد لا نملكه ولم نبذل فيه جهداً .. وإنما هو عطاء مطلق أعطي لنا منذ لحظة الميلاد ..

المخترع لا يخترع وإنما يجيئه الخاطر كما ينزل ندى الفجر على الزهر .. والشاعر لا يؤلف من عدم ، وإنما يهبط عليه إلهام الشعر فيورق عقله كما يورق الشجر في الربيع .. فهل يمتلك الشجر أزهاره أو أنها هبة الربيع ؟ والعلم ذاته هبة .. الكهرباء موجودة منذ الأزل من قبل أن تكتشف بملايين السنين ، وهي التي كانت تضيء السماء بالبرق و الصواعق .. نحن لم نخترع الكهرباء ولم نأت بها ، فهي موجودة وكذلك إشعاع الراديو وطاقة الذرة ومغناطيسية الحديد .. كل هذه كنوز موجودة تحت أيدينا .. وهي بعض الهبات التي وهِبنَاها دون أن نطلبها .. نحن العلماء لا ندرك هذا وإنما نقول : اخترعنا ، ابتكرنا ، صنعنا ، ألفنا ، صنفنا .. ثم لا ندرك ما هو أخطر وأكثر وضوحاً وبداهة .. إن العمر الذي نعيشه هو أيضاً هبة لم نطلبها ولم نجتهد فيها .. الجميلة لم تجتهد لتولد جميلة .. والقوي لم يجتهد ليولد قوياً .. والحاد البصر لم يجتهد ليولد حاد البصر .. ونحن لا نقوم بصيانة هذا الشيء المعقد الملغز المعجز الذي اسمه الجسد الحي .. وإنما هو الذي يقوم بصيانة نفسه بنفسه بأساليب محيرة .. نحن ننفق من شيك لا نملكه .. ومع ذلك نتبجح طول الوقت .. ونقول .. نحن اخترعنا نحن صنعنا .. نحن عباقرة .. نحن عظماء .. نحن على حق والآخرون على خطأ .. نحن بيض وهم حيوانات .. نحن جنس سامي وهم جنس منحط ، ثم نقتتل على ثروات لا نملكها ولا فضل لنا فيها جميعا .. ولا فضل لنا حتى في تكويننا الجسماني .. نحن مجرد مخلوقات تولد وتموت وتعيش على هبة محدودة من الخالق الذي أوجدها ، ولو كنا نملك أنفسنا حقيقة لما كان هناك موت .. ولكن الموت هو الذي يفضح القصة .. هو الذي يكشف لنا أن ما كنا نملكه لم نكن نملكه .. الشيخوخة هي التي تفضح جمال الجميلة فإذا بجمالها هبة زائرة لا حقيقة باقية .. ولكننا نحن العلماء نجهل هذه الحقيقة الأولية الشاخصة ملء العين كشمس النهار .. ولو أدركنا هذه الحقيقة البسيطة لانتهت الحروب وحل السلام وملأت المحبة القلوب وأشرق التواضع ليجمع العالم في أسرة واحدة ووطن واحد ..

Rahbani

مهندس زراعي / رحباني صديق جوهر

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 94 مشاهدة
نشرت فى 28 أغسطس 2013 بواسطة Rahbani

مهندس زراعي / رحباني صديق الشريف الخليفة

Rahbani
نقل التقانة والإرشاد الزراعي »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

15,429