رحباني صديق جوهر

نقل التقانة والإرشاد الزراعي

<!--

<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} </style> <![endif]-->

سؤالُ يطرح نفسه في هذه الحياة .. مع كثير من المعطيات .. فإذا أخذنا الجانب الأول بأن الإنسان مخيراً وتردد علينا هذا التفسير .. كيف يكون الإنسان مخيراً وهو محكوم عليه بالميلاد والموت والاسم والأسرة والبيئة ، ولا حول له ولا قوة ، ولا اختيار في هذه الأشياء التي تشكل له شخصيته وتصرفاته ..

والقراء يقعون في خطأ أولي منذ البداية حينما يقيمون علاقة حتمية بين البيئة والسلوك .. وبين الأسرة وتقاليدها وبين الشخصية ، وهو تفكير خاطئ ، فلا توجد حتمية في الأمور الإنسانية .. وإنما يوجد – على الأكثر – ترجيح واحتمال وهذا هو الفرق بين الإنسان والجماد وهذا هو الفرق بين الإنسان وبرادة الحديد .. برادة الحديد تطاوع خطوط المجال المغناطيسي في حتمية وجبرية وتراص في خطوط المجال حتما حينما نرشها حول المغناطيس .. أما الإنسان فإن علاقته بظروفه لا تزيد على كونها احتمالا أو ترجيحا ..

الابن الذي ينشأ في عائلة محافظة محتمل أن ينشأ محافظاً هو الآخر مجرد احتمال .. وكثيراً ما يحدث العكس ، فنرى هذا الابن وقد انقلب متمرداً ثائراً على التقاليد ، محطماً لها .. وهذا هو الفرق بين المسائل الآلية الميكانيكية والمسائل الإنسانية .. ونفس الكلام يقال في البيئة .. البيئة تشكل الإنسان .. ولكن الإنسان أيضا يشكل البيئة ..

ونظرة سريعة في المجتمع العصري حولنا قد رأينا كيف أخضع الإنسان مشاكل الحر والبرد والمسافات بعقلهِ وعلمهِ واستطاع أن يسودها فهو يكيف الهواء بالمكيفات ، وهو يهزم المسافات بالمواصلات السريعة والبرق والهاتف ..

الإنسان ليس كتلة هلامية سلبية تشكلها حتميات البيئة .. ولكنه إرادة صلبة في ذاتها لها حريتها في توجيه الأحداث .. وهذا هو الإنسان الذي ولد طفلا تحكمه أسرته وبيئته ومقتضيات اسمه وتقاليده .. ها هو ذا يهاجر ويغير اسمه وبيئته وأسرته وينتقل إلى مجتمع جديد فيصنع انقلابا في هذا المجتمع الجديد ويغيره من أساسهِ .. وها هو ذا يموت فيترك كتاباً .. فإذا بالكتاب يغير التاريخ ..

وصحيح أن الإنسان قليل الحيلة في الطريقة التي يولد بها وفي الطريقة التي يموت بها .. ولكنه بين ميلاده وموته يصنع حضارة .. أعطاه الله القدرة على أن يبني ويهدم ويحرر ويتحرر ويفكر ويبتكر ويخترع ويفجر ويعمر ويدمر .. وسلمه مقاليد الخير والشر وحرية الاختيار ..

وحواجز البيئة وضغوط الظروف لا تكون دليلا على عدم الحرية بل هي على العكس دليل على وجود هذه الحرية .. فلا معنى للحرية في عالم بلا عقبات .. وفي مثل هذا العالم الذي بلا عقبات لا يسمى الإنسان حراً ، إذ لا توجد لرغباته مقاومات يشعر بحريته من خلال التغلب عليها .. والحرية لا تعبر عن نفسها إلا من خلال العقبات التي تتغلب عليها .. فهي تكشف عن نفسها بصورة جدلية من خلال الفعل ومقاومة الفعل .. ولهذا كانت الضغوط والعوائق والعقبات من أدلة الحرية وليس العكس ..

والفيلسوف الغزالي يحل المشكلة بأن يقول إن الله حر مخير مطلق التخيير والمادة الجامدة مسيرة منتهى التسيير .. والإنسان في منزلة بين المنزلتين .. أي أنه مخير مسير في ذات الوقت .. مخير بمقدار مسير بمقدار .. وتوضيحا لكلامه أقول إن الإنسان حر مطلق الحرية في منطقة ضميره .. في منطقة السريرة والنية .. فأنت تستطيع أن تجبر خادمك على أن يهتف باسمك أو يقبل يدك ( إذا كان هذا من طبائعك ) ، ولكنك لا تستطيع أن تجبره على أن يحبك .. فمنطقة الحب والكراهية وهي منطقة السريرة منطقة حرة حررها الله من كل القيود ورفع عنها الحصار ووضع جنده خارجها ..

لا يدخل الشيطان قلبك إلا إذا دعوته أنت وفتحت له الباب .. وقد أراد الله هذه النية حرة لأنها مناط المسئولية والمحاسبة ..

أما منطقة الفعل فهي المنطقة التي يتم فيها التدخل الإلهي عن طريق الظروف والأسباب والملابسات ليجعل الله أمرا ما ميسراً أو معسراً حسب نية صاحبه .. قال الله تعالى : (( فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى{5} وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى{6} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى{7} وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى{8} وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى{9} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى{10} )) (الليل)

يمهد الله أسباب الشر للأشرار .. ويمهد أسباب الخير للأخيار .. ليخرج كل منا ما يكتمه ويفصح عن سريرته ونيته ويتلبس بفعله .. وبهذا لا يكون التسيير الإلهي منافيا أو مناقضا للتخيير ، فالله يستدرج الإنسان بالأسباب حتى يخرج ما يكتمه ويفصح عن نيته ودخيلته ويتلبس باختياره ..

الله بإرادته يفضح إرادتنا واختيارنا ويكشفنا أمام أنفسنا .. ومن ثم يكون الإنسان في كتاب الله مخيراً مسيراً في ذات الوقت .. دون تناقض .. فالله يريد لنا ويقدر لنا حتى نكتب على أنفسنا ما نريده لأنفسنا وما نخفيه في قلوبنا وما نختاره في أعمق الأعماق دون جبر أو إكراه ، وإنما استدراجاً من خلال الأسباب والظروف والملابسات ..

وفي إمكان الواحد منا أن يبلغ ذروة الحرية بأن تكون إرادته هي إرادة الله واختياره هو اختيار الله وعمله هو أمر الله وشريعته .. بأن يكون العبد الرباني الذي حياته هي الناموس الإلهي ، فيعبد الله حبا و اختياراً لا تكليفاً .. إنه الحب الذي قال عنه المسيح :

(( لو كان في قلبك ذرة إيمان و قلت للجبل انتقل من مكانك لانتقل من مكانه )) ..

كما يحدث أن نعطي من ذات نفوسنا لمن نحب كذلك يعطي الله من ذاته لأحبابه ، فيحقق لهم ما يشاءون فيكونون الأحرار حقا ..

Rahbani

مهندس زراعي / رحباني صديق جوهر

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 49 مشاهدة
نشرت فى 28 أغسطس 2013 بواسطة Rahbani

مهندس زراعي / رحباني صديق الشريف الخليفة

Rahbani
نقل التقانة والإرشاد الزراعي »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

15,399