لم يكن من قبيل المصادفة أن تبدأ  كلا الحكومتين المصرية والصينية في تنفيذ حلقة جديدة من الإصلاحات لإدارتهما الحكومية في بداية التسعينيات؛ حيث شهد هذا الوقت  عدة تطورات هامة على المستوى الدولي وهي: سقوط الاتحاد السوفيتي قلب النموذج الاشتراكي في العالم، وما تبعه من سقوط للنظم الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وانتصار التحالف العالمي بقيادة الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية وهزيمة العراقيين وإخراجهم من الكويت؛ مما مثل في النهاية انتصارا للنموذج الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة . ومن ثم ، أخذت الدول النامية تعمل على الانتقال من النموذج الاشتراكي إلى نموذج السوق .

  وفي ظل النموذج الاشتراكي ، كان النظام الاقتصادي يخطط له ويدار من قبل الدولة، وكانت الحكومة تتدخل بصورة مفرطة في أدق تفاصيل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث تم إنشاء إدارات حكومية من أجل إدارة الانتاجية وتقديم كافة الخدمات؛ مما أدى إلى تضخم في عدد الوزارات والإدارات الحكومية والموظفين الحكوميين.

   ومنذ عام 1990، اتجهت الصين بشكل جاد نحو تنفيذ برنامج كبير للإصلاح الاقتصادي، كان من أهم ملامحه السماح للشركات الصناعية الكبرى بعقد صفقات التصدير والاحتفاظ  بالجانب الأعظم من عوائد صادراتها ، وكذلك تكوين14 منطقة حرة.

  ومن ثم أخذت الصين منذ عام 1992  في العمل على تحويل مهام الحكومة نحو مواجهة عقبات الاقتصاد الموجه مع فصل إدارة المؤسسات العامة عن الحكومة؛ لذا بدأت الصين في هذا العام في تنفيذ إصلاحات إدارية؛ للتركيز على إرساء نظام إداري حكومي  يتوافق على ما أطلق الصينيون عليه اقتصاد السوق الاشتراكي، ويساعد في ذات الوقت على تنفيذ السياسات الاقتصادية الجديدة.  

  ويركز مفهوم الإصلاح الإداري الصيني على فصل مهام الحكومة عن تلك المهام الخاصة بتشغيل المؤسسات الصناعية والتجارية، وتحويل الإدارة الحكومية من الشئون الصغيرة إلى السياسات العامة؛ وبذلك فإن الحكومة المركزية والحكومات المحلية لا تمارس أي إدارة مباشرة على المؤسسات؛ حيث تتمتع فقط بحقوق المالك في رأس المال الذي يستثمره في المؤسسات.

   كما يركز مفهوم الإصلاح الإداري الصيني على  تحويل الوظائف الإقتصادية للحكومة إلى وضع القواعد والرقابة واقامة البنية الأساسية وإيجاد البيئة المناسبة للتنمية الاقتصادية، وإنشاء إدارات حكومية للرقابة لتعزيز قدرات الدولة في الرقابة والضبط الكلي لمختلف الأنشطة من خلال نظم رقابة وضبط محكمة، وإصلاح وتحسين نظام المؤسسات المسئولة عن إدارة القضايا والمسائل الاجتماعية مثل التعليم والثقافة والرفاهة الاجتماعية.

  كذلك ركزت تجربة الإصلاح الإداري في الصين على إصلاح النظم والإجراءات التي تتطلب إصدار تراخيص حكومية لأفراد ومنشآت للبدء في أنشطتهم؛ حيث صدر قانون "التراخيص الإدارية" Administrative license عام 2003 ؛ ليحدد بشكل محدد الإجراءات الواجب اتباعها للحصول على هذه التراخيص؛ مما يحد من سوء استخدام السلطة الإدارية.

  كما قامت تجربة الإصلاح الإداري في الصين على فلسفة اللامركزية وتقليص صلاحيات الحكومة المركزية؛ حيث تكتفي الحكومة المركزية بالتخطيط التأشيرى على أن تترك لإدارات المشروعات العامة والأجهزة المحلية مسؤولية التخطيط والتنفيذ والمتابعة؛ بحيث تركز  الإدارات الحكومية المركزية على نتائج الأداء العام والرقابة عن بعد والمساءلة الإدارية.

   وبالتالي يمثل هذا اتجاها نحو خصخصة الإدارة مع الاحتفاظ بالملكية؛ مما  لا يشكل اقتصاد السوق بالمعنى الشائع من سيادة الملكية الخاصة وأمور أخرى مماثلة؛ لذا أطلق عليه الصينيون وصف اقتصاد السوق الاشتراكي .

            ويمكن القول بأن فلسفة الإصلاح الإداري في الصين أخذت باتجاه الطريق الثالث Third Way ، وهو اتجاه ظهر بقوة في أواخر التسعينيات من القرن العشرين؛ حيث عبر عن تدخل الحكومة في الاقتصاد، وعبر عن طريق وسط بين الليبرالية والاشتراكية، أخذ به الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير في أواخر تسعينيات القرن العشرين بعد أزمات اقتصاديات السوق الحر.

   كما يمكن ملاحظة أن تجربة الإصلاح الإداري في الصين قامت بشكل أكبر على فلسفة الخدمة العامة الجديدة New Public Service ، وذلك من خلال تقديمها لمفهوم اقتصاد السوق الإشتراكي الذي يتوافق كثير مع مبادئ حركة الخدمة العامة الجديدة، والتي من أبرزها: خدمة المواطنين وليس الزبائن، كما في مدرسة الإدارة العامة الجديدة؛ حيث تعمل الإدارة الحكومية على مساعدة المواطنين على الإعلان عن مصالحهم وتحقيقها.

       لكن تجربة الإصلاح الإداري في مصر للتحول نحو اقتصاد السوق ارتكزت على فلسفة مدرسة الليبرالية الجديدة  Neoliberalism ومدرسة الإدارة العامة الجديدة New Public Management  بشكل أكبر، خاصة في الخصخصة واسترداد تكلفة الخدمات العامة والعمل على إقامة حكومة إنجاز مهام تركز على النتائج وليس القواعد، وحكومة مشروعات (حيث يكون الكسب أكثر من الإنفاق ) ، وحكومة حافزة تركز على التوجيه أكثر من التنفيذ، وحكومة تعمل بأسلوب الوقاية بدلا من العلاج، وحكومة تنافسية تدخل المنافسة في تقديم الخدمات ، وحكومة تضع الميزانية على أساس الأداء، وحكومة تتجه نحو التجديد والابتكار.

     وركزت التجربة المصرية للإصلاح الإداري في العقد الأخير من القرن العشرين  على تحديد دور الحكومة في القيام بالمهام والأنشطة التي لا يمكن أن يقوم بها القطاع الخاص وأن يتحول دورها من المانع والمرخص لممارسة النشاط إلى دور الميسر والمعاون، وكذلك على إعادة صياغة مهام الجهاز الإداري للدولة بما يضمن حسن قيامه بالأنشطة الاستراتيجية التي تشمل الدفاع والأمن الخارجي والقضاء والعلاقات الخارجية مع الإشراف على الخدمات ورقابة الأنشطة التي يشارك فيها القطاع الخاص.

    وهكذا مثلت فلسفة الإصلاح الإداري في مصر توجها نحو دور جديد  للإدارة الحكومية المصرية في إطار اقتصاد السوق على غرار الدول الغربية الرأسمالية حيث يتقلص دور الجهاز الحكومي في الأنشطة الاستراتيجية الرئيسية مع مراقبة عمل القطاع الخاص الذي يقوم بالدور المحوري في الإنتاج وتقديم الخدمات المختلفة .

        كما يلاحظ اختلاف طبيعة الدور الجديد المنشود للإدارة الحكومية؛ حيث يتمثل هذا الدور المستهدف للجهاز الحكومي في الصين في الابتعاد عن إدارة المشروعات والمؤسسات العامة وإسنادها إلى إدارة خاصة تعمل على إدارتها وفقا لفكرة الأرباح والخسائر، ولكن يتم الاحتفاظ بملكيتها العامة، بينما فلسفة الإصلاح الإداري في مصر في العقد الأخير من القرن العشرين تقوم على خصخصة ملكية المشروعات والمؤسسات العامة مع رقابة من جانب الحكومة التي تحتفظ بممارسة الأنشطة السيادية.

 

<!--[endif]-->

المصدر: د/أحمد السيد الدقن، تجربتا الإصلاح الإداري في الصين ومصر لدعم اقتصاد السوق، المجلة العربية للإدارة، المجلد 35، عدد 1 (القاهرة: المنظمة العربية للتنيمة ألإدارية، يونيو 2015)
PLAdminist

موقع الإدارة العامة والمحلية- علم الإدارة العامة بوابة للتنمية والتقدم - يجب الإشارة إلى الموقع والكاتب عند الاقتباس

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 271 مشاهدة
نشرت فى 4 مايو 2016 بواسطة PLAdminist

موقع الإدارة العامة والمحلية

PLAdminist
* أول موقع علمي إليكتروني عربي مستقل تطوعي متخصص في الإدارة العامة والمحلية. * تم إطلاق الموقع في 3 مارس عام 2011. * يحظر الموقع نشر أية إساءة لأي فرد أو مؤسسة أو دولة. *اقتباس معلومات من الموقع دون الإشارة إلى الكاتب والموقع، يعرض المقتبس للمساءلة القانونية. »

عدد زيارات الموقع

341,695
جارى التحميل