سامي حواط...

 حين يصبح الفن جزءاً من البيئة الإنسانية

ندى امين الاعور

 

قد لا يكون من الدقة أن نصف سامي حواط بأنه «فنان بيئي» بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فهو لم يجعل حماية الطبيعة موضوعه الفني الأساسي. لكن تجربته تسمح لنا بقراءة أخرى للبيئة. قراءة تبدأ من الإنسان.

فهو نفسه يقول عن مسرحه الريفي إنّه أنشأه لأنه مقتنع بأن الإنسان في حاجة إلى قليل من الطبيعة، ولم يرد للمكان أن يكون مسرحاً فقط، بل فضاءً للندوات والحوارات والمخيمات الثقافية والكشفية.

وهنا بالضبط تلتقي تجربته مع مفهوم البيئة الاجتماعية . أرى أن تطوير المقال يجب أن يتجاوز السيرة الفنية، وأن يجعل الالتزام عند سامي حواط مدخلاً إلى مفهوم أوسع: الفنان الذي يرى الإنسان والقرية والطفل والذاكرة والمجتمع جزءاً من بيئة واحدة. كما أن المصادر تؤكد أن انتقاله إلى المسرح الريفي في زبدين لم يكن مجرد تغيير للمكان، بل مشروعاً لإعادة الحياة الثقافية إلى الريف.

التزم سامي حواط بقضايانا فليس كل فنان يختار أن يكون صوته شاهداً على عصره. بعض الفنانين يكتفون بأن يكونوا جزءاً من المشهد، بينما يقرر آخرون أن يدخلوا إلى قلبه، وأن يحملوا أسئلة الناس، ووجعهم، وأحلامهم، وتناقضاتهم، وأن يحوّلوا ما يعيشونه إلى أغنية أو مسرح أو كلمة.سامي حواط واحد من هؤلاء.

فمنذ بداياته، لم تكن علاقته بالفن منفصلة عن علاقته بالإنسان. الأغنية عنده لم تكن مجرد لحن جميل، والمسرح لم يكن مجرد خشبة، والجمهور لم يكن مجرد مجموعة من المستمعين. كان الفن بالنسبة إليه مساحة للقول والقول بالنسبة إليه مسؤولية.

ولهذا ارتبط اسمه طوال عقود بالأغنية التي تحمل همّاً اجتماعياً ووطنياً، وتقترب من الإنسان العادي، من العامل، والفقير، والطفل، ومن الأسئلة التي يعيشها المجتمع اللبناني. وتصف مصادر ثقافية تجربته بأنها ربطت بين الأغنية الشعبية والهم السياسي والاجتماعي.

وُلد سامي حواط عام 1956 في منطقة جبيل، وبدأ دراسته الموسيقية في المعهد الوطني العالي للموسيقى، قبل أن يتجه إلى الغناء والتلحين والتمثيل. كما خصص جانباً من تجربته لأغنيات الأطفال. لكن أهمية تجربته لا تكمن في تعدد مواهبه فقط. فالموسيقي الذي يدرس النوتة يمكنه أن يصنع لحناً. أما الفنان الذي ينصت إلى الناس، فيستطيع أن يحوّل نبض المجتمع إلى موسيقى. وهنا تبدأ خصوصية سامي حواط.

لقد كان قريباً من مرحلة لبنانية شديدة الاضطراب، شهدت الحرب والانقسام والصراع السياسي والاجتماعي. وفي تلك المرحلة ازدهرت في لبنان تجارب فنية جعلت الأغنية وسيلة للتعبير عن القضايا العامة. وكان حواط واحداً من الأصوات التي اختارت هذا الطريق. اغنيته تنزل إلى الشارع عندما نستمع إلى عناوين مثل "الرأي العام" و "لا تسألني عن ديني" و"نشيد التعب" و"شجرة الزيتون"، ندرك أن اختياراته لم تكن بعيدة عن الإنسان ومشكلاته. وقد تناولت أعماله قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية، أحياناً بجدية، وأحياناً بالسخرية التي تسمح للفكرة بأن تصل من دون خطابة ثقيلة.

والسخرية عنده ليست هروباً من المشكلة إنها طريقة أخرى لرؤيتها.فحين يضحك الإنسان على واقع مؤلم، لا يعني ذلك أنه لم يعد يشعر بالألم. أحياناً يكون الضحك هو الطريقة التي يستطيع بها أن يحتمل الحقيقة. ومن هنا جاءت بعض أغنيات حواط قريبة من الحياة اليومية، من تفاصيل الناس، ومن اللغة التي يتداولونها في الشارع والبيت والعمل.

لقد أخذ الأغنية من برجها العاجي، وأعادها إلى الناس ف "الرأي العام" ليس مجرد عنوان في تجربة سامي حواط، يبدو مفهوم الرأي العام مهماً بصورة خاصة. فالرأي العام ليس رقماً في استطلاع وليس جمهوراً ينتظر أن يسمع ما يقوله الآخرون. الرأي العام هو الإنسان عندما يكتشف أن له صوتاً وهذه الفكرة تجعل الفن أكثر من ترف ثقافي. إنها تجعل الأغنية مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يرى نفسه.وأن يقول:أ

نا موجود.

أنا أرى.

أنا أفكر.

وأنا جزء من هذا المجتمع.

ولذلك بقيت بعض أغنيات حواط مرتبطة بقضايا اجتماعية رغم مرور السنوات؛ لأن القضايا التي تناولتها لم تكن مرتبطة بزمن محدد فقط، بل بأسئلة تتكرر في المجتمعات: العدالة، الفقر، الطائفية، علاقة الفرد بالمجتمع، وموقع الإنسان البسيط في منظومة أكبر منه.

لا يمكن الحديث عن تجربة سامي حواط من دون المرور بتجربته المسرحية مع زياد الرحباني. شارك حواط في أعمال مسرحية بارزة مثل  "نزل السرور" و"بالنسبة لبكرا شو؟" و"فيلم أميركي طويل" و"شي فاشل" وهي أعمال ارتبطت بمرحلة مهمة من المسرح اللبناني لكن الفنان لا يبقى دائماً في ظل التجربة التي بدأ منها. يأتي وقت يصبح فيه عليه أن يقول:

هذا صوتي أنا.

وهذا ما فعله حواط.

انتقل إلى بناء تجربته الغنائية الخاصة، وأسّس فرقته التي عُرفت أولاً باسم "المجموعة"ثم "الرحالة" واستمر في تقديم الأغنية التي تجمع بين الحس الشعبي والأسئلة الاجتماعية.  فالطفل أيضاً مواطن ومن أجمل الجوانب في تجربة سامي حواط اهتمامه بالأطفال. فقد قدم أعمالاً خاصة بهم، ولم يتعامل مع الطفل كمتلقٍ صغير لا يفهم قضايا الكبار. بل حاول أن يجعل الطفل شريكاً في الفن وفي التفكير. وفي مشروع مسرحي كان يحضّر له، شارك أطفال تراوحت أعمارهم بين الثامنة والثالثة عشرة في تقديم موضوعات اجتماعية من كتابته وتلحينه. وقال حواط آنذاك إن العمل الذي تدخله الإنسانية يصبح موجهاً إلى جميع الناس.

وهنا نصل إلى نقطة أساسية:

الطفل ليس خارج المجتمع.

الطفل هو المجتمع القادم.

ومن يزرع فكرة في عقل طفل، قد يكون قد زرعها في مستقبل كامل.

ولهذا فإن الفن الموجه إلى الأطفال يمكن أن يكون شكلاً من أشكال التربية المدنية والثقافية.

ثم حدث شيء مختلف فالمسرح ذهب إلى القرية وربما هنا تبدأ المرحلة الأكثر إثارة للاهتمام في تجربة سامي حواط. فبدلاً من أن ينتظر الريف أن يأتي إلى المدينة، ذهب هو إلى الريف.

وفي زبدين، في قضاء جبيل، أنشأ مسرح سامي حواط الريفي عام 2011

وهذه الخطوة يمكن قراءتها بأكثر من طريقة:

هي ثقافية.

وهي اجتماعية.

وهي إنسانية.

ويمكن أن تكون أيضاً بيئية إذا نظرنا إلى البيئة بمعناها الواسع. فالبيئة ليست فقط الغابة والنهر والتربة والهواء. البيئة هي المكان الذي يعيش فيه الإنسان، والعلاقات التي تنشأ فيه، والذاكرة التي يحملها، والثقافة التي تنتجها جماعته.وعندما تموت الثقافة في قرية، يحدث نوع من التصحر الاجتماعي.

قد تبقى الأشجار لكن المكان يفقد جزءاً من روحه. فيكون المسرح الريفي في مواجهة التصحر الاجتماعي لهذا يبدو مشروع سامي حواط في زبدين أكثر أهمية من مجرد إنشاء مسرح:

إنه محاولة لإعادة الحركة إلى المكان.

إعادة الفنان إلى القرية.

إعادة الجمهور إلى المكان الذي ينتمي إليه.

وفتح مساحة يلتقي فيها الموسيقي والمسرحي والشاعر والإنسان العادي. وقد استضاف المسرح فنانين وموسيقيين وشعراء، وكان الهدف إعادة الحياة إلى مناطق ريفية باتت منسية.  وهنا أجد أن تجربة سامي حواط تلتقي مع مفهوم البيئة الاجتماعية. فكما تحتاج الأرض إلى الماء حتى لا تتحول إلى أرض يابسة، يحتاج المجتمع إلى الثقافة حتى لا يتحول إلى مجتمع جاف.

وكما أن الشجرة لا تعيش وحدها، لا يعيش الإنسان منفرداً. هناك دائماً شبكة من العلاقات:

الإنسان ـ المكان ـ الذاكرة ـ الثقافة ـ الطبيعة.

وعندما نحافظ على هذه الشبكة، نحافظ على جزء من البيئة. القرية ليست مكاناً خلفياً في الثقافة الحديثة، كثيراً ما تبدو المدينة وكأنها المركز، والقرية وكأنها هامش. لكن المسرح الريفي يقول شيئاً مختلفاً:

القرية ليست هامشاً.

القرية مكان يمكن أن ينتج الثقافة.

مكان يمكن أن يستقبل الفنان.

مكان يستطيع أن يكون فيه الطفل ممثلاً.

والشاعر شاعراً.

والموسيقي موسيقياً.

والجمهور شريكاً.

ومن هنا يمكن قراءة تجربة حواط باعتبارها محاولة لإعادة توزيع الثقافة جغرافياً، وعدم تركها محصورة في العاصمة وهذا بحد ذاته فعل اجتماعي.

حين نتحدث عن البيئة، غالباً ما نذهب مباشرة إلى الغابة والتلوث والمياه والنفايات. لكن هناك بيئة أخرى لا تقل أهمية:

البيئة الاجتماعية.

بيئة الإنسان.

بيئة أفكاره.

بيئة علاقاته.

بيئة طفولته.

بيئة القرية التي ولد فيها.

بيئة الأغنية التي تربّى عليها.

بيئة الذاكرة التي يحملها معه.

ومن هذه الزاوية، يصبح الفنان جزءاً من البيئة لأنه يؤثر في طريقة رؤية الناس لأنفسهم وللعالم. وسامي حواط لم يغنِّ عن الطبيعة فقط، بل اشتغل على شيء أكثر عمقاً:

الإنسان داخل بيئته الاجتماعية.

وهذا ما يجعل تجربته قابلة للقراءة بيئياً، حتى عندما لا تكون الأغنية نفسها أغنية بيئية بالمعنى التقليدي. فهو انتقل بالمستمع من  البيئة الاجتماعية إلى المواطنة. هناك فرق بين أن يعيش الإنسان في مكان، وأن يشعر بأنه مسؤول عنه:

الأولى إقامة.

أما الثانية فهي مواطنة.

والفن يستطيع أن يساعد الإنسان على الانتقال من الأولى إلى الثانية.عندما تقول الأغنية للإنسان:

هذا مجتمعك.

هذه قريتك.

هذا وطنك.

هذا الطفل ابنك.

وهذا العامل أخوك في الإنسانية.

فهي لا تقدم له معلومة فقط إنها تعيد بناء علاقته بالمكان. وهنا يمكن أن يصبح الفن أحد أدوات التوعية البيئية والمواطنة البيئية، لأن المواطن الذي يشعر بانتمائه إلى المكان يصبح أكثر استعداداً للدفاع عنه. هناك جانب آخر مهم في تجربته وهو الذاكرة.

في إحدى أمسياته على المسرح الريفي، اختار عنوان "مشوار في ذاكرة النغم" وجمع بين أغنيات قديمة وأخرى أحدث، وبين الأغنية الشعبية والتراثية والأصالة الشرقية والحداثة. وهذا ليس تفصيلاً فنياً عابراً فالذاكرة جزء من البيئة الثقافية:

الأغنية القديمة تحفظ طريقة تفكير جيل.

واللحن يحفظ إيقاع زمن.

والكلمة تحفظ مفردات مجتمع.

وعندما تختفي هذه الأشياء، لا تختفي الموسيقى فقط.

يختفي جزء من ذاكرة المكان.

لذلك فإن الفنان الذي يحافظ على الذاكرة لا يعيش في الماضي بالضرورة قد  يكون على العكس، يحفظ الماضي لكي يساعد الحاضر على فهم نفسه. وهكذا نرى الفن الذي يعبر الأجيال فمن اللافت أن تجربة حواط لم تتوقف عند استعادة الأغاني القديمة.

ففي مشروع "مالت الأيام " عام 2018، اجتمع مع موسيقيين شباب تعرّفوا إليه وإلى أفكاره الاجتماعية والسياسية والإنسانية وهم أطفال، ليعملوا معاً على قراءة الواقع الجديد بطريقة ساخرة.  وهنا تظهر دائرة جميلة:

جيل يغني.

جيل يسمع.

ثم يكبر الجيل.

ويصبح موسيقياً.

ويعود ليغني مع الجيل السابق.

هكذا لا تكون الثقافة مجرد أرشيف تصبح بذرة تنتقل من عقل إلى عقل.

ربما لا تستطيع الأغنية وحدها أن تغير العالم لكنها تستطيع أن تغير شيئاً في الإنسان والإنسان هو الذي يغير العالم. قد لا توقف الأغنية حرباً لكنها قد تجعل طفلاً يفكر. وقد لا تلغي الطائفية لكنها قد تجعل شخصاً يسأل نفسه عن معنى أن يكون مختلفاً عن جاره. وقد لا تحل مشكلة الفقر لكنها تستطيع أن تمنح الفقير صوتاً. وقد لا تنقذ شجرة لكنها تستطيع أن تجعل الإنسان يرى الشجرة بوصفها جزءاً من حياته. وهنا تكمن قوة الفن.

سامي حواط... حين يصبح الفنان جزءاً من قضايا الناس

سامي حواط ليس مجرد مطرب فهو:

 مطرب

 وملحن.

وممثل.

وصاحب مشروع مسرحي.

وفنان للأطفال.

وصاحب تجربة ارتبطت طويلاً بالأغنية الملتزمة وبالقضايا الاجتماعية والإنسان

لكن وراء كل هذه الصفات توجد صفة أكبر:

أنه اختار أن يكون قريباً من الناس ومن هنا يأتي عنوان هذا المقال:

سامي حواط: الفنان الذي التزم بقضايانا.

ليس لأنه امتلك حلولاً لكل مشاكلنا ولا لأنه استطاع أن يغير الواقع وحده بل لأنه رفض أن ينفصل عن الواقع. غنّى لما يؤلم الناس. ضحك على ما يؤلمهم. كتب للأطفال. وقف على المسرح. ثم ترك المدينة واتجه إلى القرية. وبنى مسرحاً في زبدين. وكأنه يقول:

إذا كانت الثقافة لا تصل إلى الناس، فلنذهب بها إليهم.

وإذا كان الريف قد نُسي، فلنعد إليه.

وإذا كان الطفل هو المستقبل، فلنغنِّ له.

وإذا كان الإنسان هو جوهر البيئة، فلنحافظ على إنسانيته.

وفي النهاية...

قد تتغير الأنظمة.

قد تتغير الأحزاب.

قد تتغير الأغاني.

وقد تتغير التكنولوجيا التي نسمع بها الموسيقى.

لكن هناك شيئاً لا يتغير:

حاجة الإنسان إلى صوت يعبر عنه وهنا تبقى تجربة سامي حواط جزءاً من الذاكرة اللبنانية. ليس فقط لأنه غنى  بل لأنه حاول أن يجعل الغناء فعلاً من أفعال الحضور الإنساني.

ومن المدينة إلى القرية، ومن المسرح إلى الطفل، ومن الأغنية السياسية إلى الأغنية الإنسانية، ومن «الرأي العام» إلى «المسرح الريفي»، يمكن قراءة مسيرته كرحلة طويلة وراء الإنسان. وربما أجمل ما يمكن أن نتركه في نهاية هذه الرحلة هو سؤال لا يحتاج إلى جواب سريع:

ماذا يبقى من الفنان عندما تنتهي الأغنية؟

ربما تبقى الأغنية في الذاكرة.

وربما يبقى المسرح في المكان.

وربما تبقى فكرة في عقل طفل.

وربما، وهذا هو الأهم، تبقى بذرة في إنسان آخر.

والبذرة، كما نعرف، لا تنتهي عندما تُزرع هناك بل تبدأ حياتها.

 

المصدر: مقال بقلم ندى أمين الاعور
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 19 مشاهدة

ند ى أمين الاعور

Nadamine
Nada Amine Awar Mosaitbeh, Donnawi Street, Azar Bldg., 7th Floor Beirut, Lebanon Phone: +961 76715513 Email: [email protected] Name Nada Amine Awar Birth date 4- 1- 1957 Sex Female Marital status Single Nationality Lebanese EDUCATION October, 2018 Udemy, Michael Dale instructor, online course, Laughter Yoga, Completion Certificate. September, 2018 Udemy, Marco »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

230,938