
الاستعمار البيولوجي من أوبئة السكان الأصليين
إلى المختبرات والأدوية وكورونا
ندى أمين الاعور
عندما نسمع كلمة استعمار، نفكر عادةً في الجيوش والسفن واحتلال الأرض ونهب الثروات. لكن هناك نوعًا آخر من الاستعمار كان يتحرك بصمت. لم يكن يحمل بندقية دائمًا، بل كان يحمل فيروسًا، أو بذرة، أو حيوانًا، أو نباتًا، أو معرفة طبية. ومع مرور الزمن، تطورت الأدوات أكثر، فأصبح الإنسان قادرًا على التعامل مع الجينات والميكروبات وتصميم الأدوية واللقاحات والأوبئة التي تصنع في المختبرات وتنتشر في كافة اصقاع الدنيا بسرعة.
وهنا تظهر فكرة الاستعمار البيولوجي: كيف أصبحت الحياة نفسها، بكائناتها ومواردها وجيناتها، جزءًا من صراع القوة والاقتصاد. عندما وصل الأوروبيون إلى الأمريكتين، لم يصلوا وحدهم. وصلت معهم أمراض مثل الجدري والحصبة والإنفلونزا، وهي أمراض لم تكن لدى كثير من السكان الأصليين مناعة سابقة ضدها. فانتشرت الأوبئة في مجتمعات بأكملها، وسقط عدد هائل من الضحايا. تشير الدراسات التاريخية إلى أن الأمراض الوافدة كانت أحد أهم أسباب الانهيار السكاني الهائل الذي أصاب سكان الأمريكتين بعد الاتصال الأوروبي، إلى جانب الحروب والتهجير والاستغلال وانهيار الأنظمة الاجتماعية والغذائية.
ويجب هنا التمييز بين أمرين وهما انتشار المرض نتيجة الاتصال والاستعمار، وهو حدث تاريخي واسع؛ واستخدام المرض عمدًا كسلاح. ومن أشهر الحالات التي تحمل وثائق عن محاولة متعمدة حالة فورت بيت عام 1763، حيث توجد مراسلات بريطانية تقترح نشر الجدري بين السكان الأصليين. فنجحت تلك المحاولة بعد توزيع البطانيات المصابة بهذا الوباء. وهكذا كان المرض موضوعًا لاستخدام متعمد.
لم تكن السفن تحمل البشر فقط بل حملت معها الخيول والأبقار والخنازير والأغنام والماعز وغيرها. غيرت هذه الحيوانات طريقة الزراعة والنقل والغذاء والتجارة، وأثرت في المراعي والنباتات والحيوانات المحلية. فالحصان مثال واضح فقد أعطى المستعمرين وسيلة قوية للحركة والعمل والحرب، لكنه انتقل لاحقًا إلى شعوب أصلية كثيرة، فأصبح جزءًا من حياتها وثقافاتها.
إذن لم يكن الحيوان مجرد «مستورد»؛ بل أصبح قوة قادرة على تغيير المجتمع والبيئة معًا. كما انتقلت النباتات أيضًا بين القارات ودخلت إلى الأمريكتين محاصيل من العالم القديم، بينما انتقلت إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا نباتات أمريكية مثل البطاطا والذرة والكسافا لكن النباتات التي انتقلت إلى بيئات جديدة أصبحت أنواعًا غازية، أي أنها تمكنت من الانتشار على حساب أنواع محلية وأثرت في التوازن البيئي. وفي الوقت نفسه، أعاد الاستعمار تنظيم مساحات واسعة من الأرض لتنتج ما يحتاجه السوق.
ظهرت المزارع التجارية الكبيرة، وزراعة المحاصيل المخصصة للتصدير، وفي بعض المناطق انتشرت الزراعة الأحادية. وهكذا لم يعد السؤال:
من يملك الأرض؟
بل أصبح أيضًا:
ماذا يجب أن تنتج هذه الأرض؟ ولمن؟
عندما أصبحت الطبيعة سلعة الغابات أصبحت خشبًا والحيوانات أصبحت لحومًا وجلودًا وعمالة النباتات أصبحت محاصيل والنباتات الطبية أصبحت مواد يمكن استخراج مركبات منها وبيعها. ومع تطور العلوم، بدأ العلماء بجمع النباتات والحيوانات والكائنات الدقيقة ودراستها وتصنيفها. ثم اكتشف الإنسان شيئًا أكثر خطورة وهي الجينات.
لم تعد القيمة في النبات أو الحيوان فقط، وإنما في المعلومات الموجودة داخله. في الماضي كان يمكن للمستعمر أن يأخذ نباتًا طبيًا من أرض بعيدة. أما اليوم، يستطيع الباحث أن يبحث عن المادة الفعالة أو الجين أو البروتين الذي يمنح الكائن صائص معينة. ومن هنا ظهرت صناعة التكنولوجيا الحيوية فأصبح الجين موردًا وأصبحت السلالة الميكروبية موردًا وأصبحت البيانات البيولوجية موردًا. وأصبح السؤال:
من يملك هذه الموارد؟
ومن يملك الحق في استخدامها؟
ومن يحصل على الأرباح عندما تتحول إلى دواء أو منتج تجاري؟
ولهذا ظهرت اتفاقيات دولية، مثل اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول ناغويا، لتنظيم الوصول إلى الموارد الوراثية وتقاسم المنافع الناتجة عنها. ثم وصلنا إلى الدواء حيث تدخل التكنولوجيا الحيوية إلى حياة كل إنسان تقريبًا. فالدواء من أعظم إنجازات البشرية. لقد أنقذ ملايين الأرواح، وسيطر على أمراض كانت قاتلة، وساعد الإنسان على أن يعيش حياة أطول وأفضل. لكن الدواء ليس مادة بلا تأثيرات أخرى. فكل دواء يمكن أن تكون له آثار جانبية أو تداخلات مع أدوية أخرى، ولذلك تحتاج الأدوية إلى مراقبة مستمرة. وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن الضرر المرتبط بالأدوية يمثل مشكلة عالمية كبيرة، وتشير إلى أن أخطاء الأدوية تكلف العالم نحو 42 مليار دولار سنويًا. وهنا يمكن أن تظهر حلقة معقدة:
مرض → دواء → أثر جانبي → علاج إضافي.
وفي بعض المرضى، خصوصًا الذين يعانون من أمراض متعددة، قد تصبح قائمة الأدوية طويلة جدًا. وهنا تظهر مشكلة تعدد الأدوية. فأصبح كل دواء إضافي يحتاج إلى سؤال:
هل ما زالت فائدته أكبر من مخاطره؟
ثم جاءت جائحة كورونا حيث ظهر فيروس جديد، وانتشر في العالم، وأصبح العلم في سباق مع الزمن. فتم تحديد التسلسل الجيني للفيروس، وتطوير الاختبارات، وإنتاج الأدوية واللقاحات، وإنشاء مصانع ضخمة لتلبية الطلب العالمي. وضُخت مليارات الدولارات من الأموال العامة في البحث والتطوير وشراء اللقاحات. فقد أظهرت وثائق الحكومة الأميركية مثلًا حجم التمويل والعقود التي أُبرمت ضمن برنامج Operation Warp Speed لدعم تطوير وإنتاج لقاحات كوفيد-19.
وهنا ظهر سؤال اقتصادي مهم:
عندما يمول المجتمع جزءًا كبيرًا من البحث ويتحمل جزءًا من المخاطر، كيف يجب أن توزع الملكية والأرباح؟
يفتح هذا السؤال نقاشًا مشروعًا حول المال العام، والملكية الفكرية، والأسعار، وإتاحة العلاج. وماذا عن أصل كورونا التي أصبحت مثالًا على الخوف من المخاطر البيولوجية الحديثة. هل جاء الفيروس من الطبيعة وانتقل من الحيوان إلى الإنسان؟ أم انه مرتبطا بمختبر؟ وفي تقييمها لعام 2025، قالت منظمة الصحة العالمية إن الأدلة المتاحة تميل إلى انتقال حيواني المنشأ، لكنها أشارت أيضًا إلى أن بعض المعلومات اللازمة لحسم جميع الفرضيات لم تكن متاحة بالكامل، ولذلك لم تُغلق جميع الأسئلة المتعلقة بأصل الفيروس. فالعلم يحتاج إلى دليل، لا إلى افتراض.
إذا كان المستعمر القديم يأخذ الأرض والنبات والحيوان، فإن القوة البيولوجية الحديثة أيضًا بـ:
الجين، والبذرة، والميكروب، والبيانات، والدواء، واللقاح والتكنولوجيا.
وهكذا تغيرت الأدوات لم يعد الاحتلال يحتاج دائمًا إلى جيش يمكن أن تكون الأداة اليوم براءة اختراع، أو تقنية حيوية، أو موردًا وراثيًا، أو قدرة على إنتاج دواء لا يستطيع الآخرون إنتاجه. فالمشكلة تبدأ عندما تصبح المعرفة البيولوجية احتكارًا بلا عدالة، أو عندما تصبح مصلحة السوق أقوى من مصلحة الإنسان والبيئة، أو عندما يتحمل المجتمع المخاطر بينما تتركز المنافع في أيدي قليلة.
إذا أردنا اختصار القصة كلها في خط واحد، يمكن أن نقول:
الأرض → المرض → الحيوان → النبات → الزراعة → الموارد → المعرفة → الجين → المختبر → الدواء → الاقتصاد البيولوجي.
منذ قرون، كان الإنسان يتصارع على الأرض واليوم أصبح يتصارع أيضًا على المعلومة الموجودة داخل الحياة. وهنا يصبح الاستعمار البيولوجي مفهومًا يتجاوز التاريخ القديم ليطرح سؤالًا جديدًا أمام البشرية:
هل نستطيع أن نستخدم قوة العلم لحماية الحياة، من دون أن نحول الحياة نفسها إلى ملكية يحتكرها الأقوى؟
ربما يكون هذا هو التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين فقد تغيرت أدوات الاستعمار:
من السيف إلى البذرة،
ومن البذرة إلى الجين،
ومن الجين إلى المختبر.
لكن السؤال بقي نفسه:
من يملك القوة... ومن يملك الحق في استخدامها؟
هل يتحرك الرأي العام العالمي لوقف ما يحصل لأفراده؟
مراجع
1. Crosby, A. W. *The Columbian Exchange: Biological and Cultural Consequences of 1492*. Praeger, 2003.
2. Crosby, A. W. *Ecological Imperialism: The Biological Expansion of Europe, 900-1900*. Cambridge University Press, 2004.
3. 3. World Health Organization. *Medication Without Harm: Policy Brief*, 2024. ([World Health Organization][5])
4. 4. World Health Organization. *Medication Without Harm - Global Patient Safety Challenge*. ([World Health Organization][1])
5. World Health Organization, Scientific Advisory Group for the Origins of Novel Pathogens. *Independent Assessment of the Origins of SARS-CoV-2*, 2025. ([World Health Organization][4])
6. Congressional Research Service. *Operation Warp Speed Contracts for COVID-19 Vaccines*. ([Congress.gov][2])
7. U.S. Department of Health and Human Services. *Operation Warp Speed FOIA Records*. ([HHS.gov][3])
8. Convention on Biological Diversity. *Nagoya Protocol on Access and Benefit-sharing*.
9. Centers for Disease Control and Prevention. Historical and epidemiological resources on smallpox and infectious diseases.
10. United Nations. *Convention on Biological Diversity*.


