نيكول كاماتو... حين يصبح الفن موقفًا

ندى امين الاعور

 

في الحياة الفنية اللبنانية، هناك من يقف تحت الضوء، وهناك من يعمل كي يصنع الضوء نفسه. نيكول كاماتو تنتمي إلى الفئة الثانية.

فهي لم تحصر حضورها في مهنة واحدة، ولم تجعل الفن مساحة منفصلة عن الحياة. تنقّلت بين التمثيل والإنتاج وإدارة الأعمال الفنية والكاستينغ والعمل التلفزيوني والنقابي، وراكمت، في كل محطة، تجربة جديدة. لكن ما يجمع هذه المسارات كلها هو اقترابها الدائم من قلب الفعل الفني، حيث تُصنع الأفكار قبل أن تصل إلى الجمهور.

درست كاماتو في المعهد الوطني للفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية بين عامي 1988 و1992، ودخلت المجال الفني من بوابة التمثيل، قبل أن تتسع تجربتها تدريجيًا لتشمل جوانب أخرى من الصناعة الفنية.

غير أن من يعرف مسيرتها يعرف أن جزءًا مهمًا منها ارتبط أيضًا بزياد الرحباني. فقد عملت لفترة طويلة كمساعدة له، ولا سيما في الفترة المرتبطة بحفلاته وأعماله الفنية. وكانت هذه التجربة، بما فيها من احتكاك مباشر بالمسرح والموسيقى والجمهور والتحضير والتنظيم، محطة مختلفة في مسارها؛ فالعمل إلى جانب فنان بحجم زياد الرحباني لا يعني مجرد وجود خلف الكواليس، بل يعني الاقتراب من ورشة فنية كاملة، بكل ما فيها من تفاصيل وضغوط وقرارات وانتظار.

ومن خلف الكواليس، أخذت كاماتو تكتشف مساحة أخرى من العمل الفني. انتقلت إلى الكاستينغ والإنتاج، وشاركت في مشاريع سينمائية وتلفزيونية، ومن بينها عملها في مجال اختيار الممثلين لفيلم Carlos عام 2010. كما ارتبط اسمها بأعمال إنتاجية أخرى، بينها War Travelers وThe Island of Forgiveness.

وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية في تجربتها: نيكول كاماتو لم تكن تبحث فقط عن أن تكون أمام الكاميرا، بل اهتمت أيضًا بما يحدث قبل أن تبدأ الكاميرا بالتصوير.

من يختار؟

من يجمع؟

من ينظم؟

من يحوّل الفكرة إلى عمل؟

أسئلة تبدو بعيدة عن الأضواء، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع كثيرًا مما نراه على الشاشة.

من السينما إلى التلفزيون

مع انتقالها إلى العمل التلفزيوني، اتسعت هذه التجربة أكثر. عملت كاماتو في قناة الميادين بوصفها معاونة تنفيذية لمدير البرامج، في موقع يتطلب متابعة التفاصيل والتنسيق والعمل المستمر خلف الشاشة. وفي هذا النوع من الوظائف، لا يكفي أن يكون المرء فنانًا؛ فالمطلوب أيضًا معرفة كيف تتحول الفكرة إلى برنامج، وكيف يتحول البرنامج إلى مادة تصل إلى الناس.

وقد ظهر اسمها في سياق العمل على برامج القناة، ومنها برنامج خارج القيد بما يعكس انتقالها من عالم الأداء الفني إلى عالم صناعة المحتوى وإدارته. وهكذا لم تعد تجربتها قائمة على سؤال: «ما الدور الذي ألعبه؟»، بل أصبحت أقرب إلى سؤال آخر:

كيف أساهم في صناعة العمل؟

وهذا الفارق مهم.

فالفنان الذي يقف أمام الكاميرا يترك أثره في المشهد، أما العامل في المساحة التي تسبق المشهد فيساهم أحيانًا في صناعة المشهد كله.

الفن ليس منفصلًا عن المجتمع

لكن مسيرة نيكول كاماتو لا تتوقف عند حدود الفن. ففي لبنان، حيث تختلط الثقافة بالحياة اليومية، وحيث يجد الفنان نفسه في كثير من الأحيان وسط الأزمات والتحولات، ظهرت كاماتو أيضًا في مساحات ذات طابع اجتماعي وإنساني.

ومن المحطات اللافتة مشاركتها في مبادرة يلا عالجنوب التي انطلقت في سياق التضامن مع أهل الجنوب، وحملت فكرة الوصول إليهم وكسر العزلة التي تفرضها الأزمات والحروب. لم يكن الأمر مجرد رحلة جغرافية من بيروت إلى الجنوب، بل كان تعبيرًا عن رغبة في أن يبقى اللبناني قريبًا من اللبناني، خصوصًا عندما تضيق المسافات بفعل الخوف.

كما ارتبط اسمها بأعمال تضامنية ذات طابع فني، ومنها إنتاج فيديو غزة النفق... غزة الضوءعام 2023، بمشاركة عدد من الفنانين اللبنانيين، في عمل استخدم الفن للتعبير عن التضامن الإنساني.

وهنا تبرز نقطة تستحق التوقف.

فكاماتو لم تستخدم الفن باعتباره عالمًا مغلقًا على نفسه. الفن بالنسبة إليها يمكن أن يكون أيضًا وسيلة للحضور في المجتمع، وللتعبير، وللتضامن، ولطرح الأسئلة التي تتجاوز خشبة المسرح وشاشة التلفزيون.

في نقابة الممثلين

وكان لها أيضًا حضور في العمل النقابي.

ففي عام 2014، انتُخبت لعضوية الهيئة الإدارية لنقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون في لبنان، وتولت مسؤولية العلاقات العامة. وهذه المحطة تضيف بُعدًا آخر إلى تجربتها.

فالفنان لا يعيش فقط من عمله الفردي؛ هناك حقوق مهنية، وعلاقات بين الفنانين، وقضايا تتعلق بمستقبل المهنة نفسها. ومن هنا يصبح العمل النقابي امتدادًا طبيعيًا للسؤال عن موقع الفنان في المجتمع.

امرأة خلف المشهد... وفي قلبه

ربما يكون من الظلم اختصار نيكول كاماتو بكلمة واحدة. ليست فقط ممثلة. وليست فقط منتجة. وليست فقط مديرة أو مساعدة أو مسؤولة عن الكاستينغ. وليست فقط شخصية ناشطة في المجال العام. إنها، قبل كل شيء، ابنة تجربة فنية متعددة الوجوه.

تجربة بدأت من الدراسة والتمثيل، ثم عبرت إلى العمل مع فنانين كبار، ومنهم زياد الرحباني، وتوسعت إلى الكاستينغ والإنتاج والتلفزيون والعمل النقابي، وصولًا إلى المبادرات ذات البعد الإنساني والاجتماعي.

وإذا كان بعض الفنانين يتركون صورتهم في ذاكرة الجمهور، فإن هناك فنانين آخرين يتركون شيئًا مختلفًا: يتركون أثرًا في طريقة صناعة العمل نفسه.

وهذا ربما هو المكان الذي يمكن أن نرى فيه نيكول كاماتو. امرأة اختارت أن تكون قريبة من الحدث، لا من صورته فقط. قريبة من المسرح، ولكن أيضًا من كواليسه. من الفنان، ولكن أيضًا من الإنسان الذي يقف وراء الفنان. من الشاشة، ولكن كذلك من الذين يصنعون ما يظهر عليها.

وفي بلد مثل لبنان، حيث لا تسير الحياة الفنية في خط مستقيم، وحيث يتداخل الفن مع السياسة والمجتمع والحرب والذاكرة، تصبح هذه القدرة على الانتقال بين المساحات نوعًا من السيرة بحد ذاتها.  نيكول كاماتو ليست حكاية وظيفة واحدة، بل حكاية امرأة تحركت داخل المشهد اللبناني، من أمام الستارة إلى خلفها، ومن الفن إلى المجتمع، محتفظة بخيط واحد لا ينقطع: الإيمان بأن الفن لا يعيش بعيدًا عن الناس.

المصدر: مقال بقلم ندى امين الاعور
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 9 مشاهدة

ند ى أمين الاعور

Nadamine
Nada Amine Awar Mosaitbeh, Donnawi Street, Azar Bldg., 7th Floor Beirut, Lebanon Phone: +961 76715513 Email: [email protected] Name Nada Amine Awar Birth date 4- 1- 1957 Sex Female Marital status Single Nationality Lebanese EDUCATION October, 2018 Udemy, Michael Dale instructor, online course, Laughter Yoga, Completion Certificate. September, 2018 Udemy, Marco »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

227,995