
صانع المطر
ندى أمين الاعور
في مدينةٍ صغيرةٍ اسمها مدينة الورد، كان الناس يحبون المطر حبًا لا يوصف. فما إن تظهر غيمة في السماء حتى يخرج الأطفال إلى الشوارع، ويقفزوا فوق البرك، ويرقصوا تحت المطر وهم يهتفون:
مطر! مطر! مطر!
تشرب الحياة،
ويشرب البشر!
تتحمم الطيور
وتتفتح الزهور
وكان عمّ نجيب، صاحب المخبز، يحب المطر أيضًا... ولكن لسبب مختلف. كان يقول:
- المطر ممتاز! يغسل الشوارع ويوفر علينا شراء خرطوم ماء!
وفي يومٍ مشؤوم، ظهرت غيمة ضخمة فوق المدينة. صرخ الأطفال:
- المطرررر!
في البداية كان كل شيء رائعًا. ثم... طشششش!
سقطت قطرة على سيارة عم نجيب. نظر إليها. ثم نظر إلى السيارة. ثم عاد ونظر إلى القطرة.
- يا ساتر!
بدأ طلاء السيارة يتغير!
ركض إلى سيارته وهو يصيح:
- يا ناس! المطر يأكل سيارتي!
جاء أمين مسرعًا:
- ماذا حدث؟
قال عم نجيب:
- المطر طلب مني أن أغسل السيارة، فقرر أن يغسلها من الطلاء أيضًا!
وفي الجهة الأخرى من المدينة، كانت الأشجار تصفرّ، وبدأت بعض النباتات تذبل، وظهرت بقع غريبة على التماثيل الحجرية. أما الأطفال، فهربوا إلى بيوتهم وهم يصرخون:
- المطر صار شريرًا!
في اليوم التالي، تكرر الأمر. فتح عم نجيب مخبزه، ونظر إلى اللافتة. كانت كلمة "مخبز" قد أصبحت:
"مخ... بز" فصرخ:
- لقد أكل المطر حرف الباء!
قالت نورا، وهي طفلة تحب العلوم:
- ربما هناك تفسير علمي.
رد عم نجيب:
- لا أريد تفسيرًا علميًا! أريد الباء!
وفجأة، قفز رجل من وسط السوق فوق صندوق خضار وصاح:
- وجدتها!
التفت الجميع إليه.
قال:
- هناك شخص غامض يصنع هذا المطر المؤذي!
ساد الصمت.
ثم قال أحدهم:
- ومن أين عرفت؟
رفع الرجل إصبعه إلى السماء وقال بثقة:
- لأنني شاهدت الغيوم!
قال أمبن:
- وهذا دليل؟
رد الرجل:
- طبعًا! الغيوم دائمًا مشبوهة!
وبدأت المدينة كلها تبحث عن صانع المطر. فتشوا فوق أسطح المنازل. فتشوا خلف الأشجار. فتشوا في الأقبية. حتى إن أحدهم فتح مظلته ونظر تحتها.
قال:
- ربما يختبئ هنا!
قالت زوجته:
- يا رجل، أنت تحت المظلة!
رد:
- كنت أتأكد فقط!
لكن المطر كان ينزل بقوة، وفجأة بدأت المظلات نفسها تتلف.
قال أحد الرجال:
- قبضنا عليه!
صرخ الجميع:
- أين؟!
قال:
- المطر!
فهرب الجميع!
أما الأطفال، فقرروا أن يأخذوا المهمة بجدية.
قال أمين:
- سنقبض على صانع المطر بأنفسنا!
قالت ليلى:
- وكيف؟
قال أمين:
- لا أعرف.
قالت:
- خطة ممتازة!
وفي تلك الليلة، خرج الأطفال لمراقبة السماء. وبينما كانوا يراقبون الغيوم، لاحظوا شيئًا غريبًا. كانت هناك سحابة ضخمة من الدخان ترتفع من المنطقة الصناعية القريبة.
قال أمين:
- انظروا!
اقتربوا من النهر، فوجدوا بعض الأسماك تطفو على سطح الماء.
قالت ليلى:
- لماذا ماتت الأسماك؟
قال أمين:
- ربما لأنها سمعت عن امتحان العلوم وهربت من الحياة!
لكن نورا لم تضحك.
قالت:
- لا. هناك شيء خطير يحدث.
فركض الأطفال إلى منزل معلمة العلوم. فتحت المعلمة الباب، فوجدتهم واقفين أمامه وهم يلهثون.
قالت:
- ماذا حدث؟
قال أمين:
- وجدنا صانع المطر!
فتحت المعلمة عينيها:
- حقًا؟!
قال:
- نعم!
- أين هو؟
أشار إلى السماء:
- هناك!
نظرت المعلمة إلى السماء.
ثم قالت:
- أمين...
- نعم؟
- هذه غيمة.
- أعرف.
- والغيمة ليست شخصًا.
- هذا ما يريد صانع المطر أن نعتقده!
وضعت المعلمة يدها على جبينها.
- اجلسوا.
جلس الأطفال.
قالت المعلمة:
- المطر الذي رأيتموه يسمى المطر الحمضي.
رفع أمبن يده.
- هل هو مطر لديه مشاعر سلبية؟
- لا.
- هل يكره الأشجار؟
- لا.
- هل لديه مشكلة شخصية مع سيارة عم نجيب؟
- لا.
- هل...
- أمين!
- حاضر.
ابتسمت المعلمة وقالت:
- يحدث المطر الحمضي عندما تختلط بعض الملوثات، مثل أكاسيد الكبريت والنيتروجين، بالهواء، ثم تتفاعل مع الماء في الغلاف الجوي. وعندما يهطل المطر، يكون أكثر حموضة من المطر الطبيعي، فيؤذي النباتات والتربة والمياه والمباني والمعادن.
فتح أمين فمه بدهشة.
- إذن... المطر بريء؟
- نعم.
قالت نورا:
- إذن من صنع المشكلة؟
أجابت المعلمة:
- نحن، عندما نلوث الهواء دون أن نفكر في العواقب.
ساد الصمت.
ثم قال أمين:
- يعني أننا كنا نبحث عن شخص يختبئ فوق السحاب...
قالت المعلمة:
- نعم.
- بينما المشكلة كانت تحت أنوفنا؟
- بالضبط.
فكر أمين قليلًا ثم قال:
- هذا محرج جدًا.
وفي اليوم التالي، اجتمع أهل المدينة في الساحة.
وقفت المعلمة أمامهم وقالت:
- كنا نبحث عن صانع المطر، بينما كان علينا أن نبحث عن مصدر التلوث.
قال عم نجيب:
- يعني أن المطر لم يكن يحاول قتل سيارتي؟
- لا.
- متأكدة؟
- متأكدة.
نظر عم نجيب إلى سيارته وقال:
- سامحتك يا مطر.
بدأت المدينة حملة كبيرة لحماية الهواء. طالب السكان المصانع باستخدام تقنيات أنظف، وراقبوا الانبعاثات، وزرعوا الأشجار، وشجعوا وسائل النقل الأقل تلويثًا، وتعلم الأطفال كيف يحافظون على البيئة.ىحتى عم نجيب شارك في الحملة. قال:
- سأزرع عشر شجرات!
قال أمين :
- ولماذا؟
أجاب:
- لأنني اكتشفت أن الشجرة لا تطلب مني أن أدفع لها ثمن الطلاء!
مرت الأشهر. وبدأ الهواء يصبح أنظف. ثم في صباح يوم جميل، ظهرت الغيوم من جديد. نظر الأطفال إلى السماء.
قال أمين:
- هل نثق به؟
قالت نورا:
- لنرَ ماذا يفعل.
بدأ المطر يهطل.
طش... طش... طش...
مد أمين يده. انتظر. لا ألم. لا دخان. لا طلاء يتقشر. لا أسماك تطفو في الشوارع.
فصرخ:
- إنه مطر طبيعي!
خرج الجميع إلى الشوارع وهم يضحكون ويرقصون.
وفجأة سمعوا صوتًا خلفهم:
- أنا هنا!
استدار الجميع بسرعة. فإذا بالمعلمة واقفة وهي تحمل دلوًا ومظلة.
قالت:
- أنا صانع المطر!
نظر إليها الجميع بدهشة. ثم انفجروا بالضحك.
قال أمين:
- لكن كيف صنعتِ المطر؟!
رفعت المعلمة الدلو وقالت:
- لا أعرف! كنت سأصنع عصيرًا، لكنني أخطأت في الوصفة!
ضحك الجميع.
قالت نورا:
- إذن من هو صانع المطر الحقيقي؟
نظرت المعلمة إلى السماء وقالت:
- المطر ليس عدوًا.
ثم أشارت إلى مداخن المصانع وقالت:
- لكن عندما نلوث الهواء، فإننا نغيّر ما يحمله المطر معه.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح أهل مدينة الورد يقولون:
"قبل أن تبحث عن وحشٍ خيالي، انظر جيدًا إلى المشكلة أمامك."
وعندما كان المطر يهطل، كان الأطفال يرفعون وجوههم إلى السماء ويغنون:
مطر! مطر! مطر!
حافظنا على الهواء،
جاء إلينا منعشا،
وغسلَ الشجر!
أما عم نجيب فكان يخرج كل مرة إلى الشارع، وينظر إلى سيارته، ثم يصرخ:
- الحمد لله! المطر هذه المرة غسل السيارة ولم يأكل حرف الباء!
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أهل مدينة الورد يبحثون عن صانع المطر... بل بدأوا يبحثون عن صانع التلوث.
وكانت المفاجأة الكبرى:
أن صانع التلوث لم يكن شخصًا واحدًا... بل كل إنسان يلوث البيئة ثم يقول: "ماذا سيحدث يعني؟!"


