الصدق منجاة

 

إن خلق الصدق من أعظم الأخلاق منزلة في الإسلام، وكيف لا يكون كذلك ومنزلة الصادقين تأتي بعد منزلة النبيين المنعم عليهم والذين هم أفضل البشر على الإطلاق، ويدل لذلك قول الحق جل وعلا: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [النساء: 69] ، فالصديقون هم أتباع الأنبياء وهم في الدرجة الثانية بعد الأنبياء وهم خيار أصحاب الأنبياء.
ولم يبلغ الصديقون تلك المنزلة الرفيعة إلا بالتزامهم بالصدق في جميع أحوالهم، وهذا ما يدعونا إلى استجلاء حقيقة الصدق وخبره في الكتاب والسنة.

 

فالصدق في اللغة كما قال ابن منظور: نقيض الكذب، يقال: صدقه الحديث: أنبأه بالصّدق، وصدقت القوم: قلت لهم صدقا، ورجل صدوق أبلغ من الصّادق، والصّدّيق الدّائم التّصديق، ويكون أيضا الّذي يصدّق قوله بالعمل، والصّدّيق المبالغ في الصّدق. “لسان العرب 10/ 192″

والصّدّيقون جمع صدّيق، وهو المبالغ في الصّدق أو التّصديق أو هو الّذي يحقّق بفعله ما يقوله بلسانه، وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء الّذين يسبقون إلى تصديقهم؛ كأبي بكر رضي الله عنه، وهو ما أشار القرطبي في تفسيره (5/ 272).


والصدق صفة من صفات الله تعالى العلية التي اتصف بها؛ ونعت من نعوت كماله، ويدل لذلك قوله تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران:95]، وقوله تعالى: {قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ} [الأحزاب: 22]، وروى البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” كَانَ إِذَا قَفَلَ كَبَّرَ ثَلاَثًا، قَالَ: «آيِبُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ حَامِدُونَ، لِرَبِّنَا سَاجِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ».

 

وقد أمر الله تبارك وتعالى بالصدق عندما أمر أن نكون معهم في قوله عز اسمه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة: 119] ووعد الله الصادقين في أقوالهم وأفعالم جزاء كبيراً وأجراً عظيما؛ كما في قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119]، وكقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 24].


ومن لازَمَ الصدق مع الوفاء بأصول الإيمان وشعائره فهو من المشمولين بالوعد الأخروي بالدخول في الجنة، كما صح بذلك الحديث عند جمع من أهل العلم كما روى ذلك الإمام أحمد في مسنده عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ “.


والتزام الصدق من أسباب الهداية والثبات عليها إلى أن يدخل العبد الجنة بإذن ربه، كما روى مسلم في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا».


والصدق يورث صاحبه الطمأنينة والسكينة؛ بخلاف الكاذب الذي لا تستقر نفسه على شيء؛ فهو دائم الجزع والهلع، ويدل عليه ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنّ الصّدق طمأنينة، والكذب ريبة».


ولما كان هذا نتيجة الصدق في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تمثل الصحابة رضوان عليهم هذا الخلق الرفيع، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم؛ وقد صدقوا في أحلك ظروفهم وإن كان الصدق في الظاهر يوردهم الهلكة؛ وهو بخلاف حال المنافقين الذين لم يصدقوا في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم، ولا أدل على ذلك من قصة الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه حينما تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك؛ فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة جاء إليه قائلا: يا رسول الله؛ إنّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر. ولقد أعطيت جدلا؛ ولكنّي والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي، ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ. ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عقبى الله. والله ما كان لي عذر. والله! ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمّا هذا فقد صدق. فقم حتّى يقضي الله فيك»، وقد روى قصته البخاري في صحيحه.


وقد الصالحون يوصون أبنائهم بالصدق؛ ومن ذلك ما يروى عن الأحنف أنه قال لابنه: “يا بني، يكفيك من شرف الصدق، أنَّ الصادق يُقبل قوله في عدوه، ومن دناءة الكذب، أن الكاذب لا يُقبل قوله في صديقه ولا عدوه، لكلِّ شيء حِليةٌ، وحليةٌ المنطق الصدق؛ يدلُّ على اعتدال وزن العقل”
وقال أبو حاتم في روضة العقلاء ص24: “الصدق يرفع المرء في الدارين كما أنَّ الكذب يهوي به في الحالين، ولو لم يكن الصدق خصلة تحمد؛ إلا أنَّ المرء إذا عرف به قُبل كذبه، وصار صدقًا عند من يسمعه؛ لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه حتى يستقيم له على الصدق، ومجانبة الكذب، والعيُّ في بعض الأوقات خير من النطق؛ لأنَّ كلَّ كلام أخطأ صاحبه موضعه، فالعيُّ خير منه”
قال العلامة ابن القيّم رحمه الله: والصّدق ثلاثة: قول وعمل وحال.


فالصّدق في الأقوال: استواء اللّسان على الأقوال كاستواء السّنبلة على ساقها.
والصّدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرّأس على الجسد.


والصّدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص. واستفراغ الوسع وبذل الطّاقة.
فبذلك يكون العبد من الّذين جاءوا بالصّدق. وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صدّيقيّته. كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه. مدارج السالكين (2/ 270).


وقد أخبر سبحانه أنّه أكرم عباده المتّقين بأن جعل لهم: مدخل صدق ومخرج صدق ولسان صدق وقدم صدق ومقعد صدق.
وحقيقة الصّدق في هذه الأشياء هو التزام الحقّ الثّابت، الموصل إلى الله. وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال. وجزاء ذلك في الدّنيا والآخرة هو الجزاء الحسن.


وقد لخّص الماورديّ رحمه الله دواعي الصّدق فقال:
1- العقل: من حيث كونه موجبا لقبح الكذب.
2- الشّرع: حيث ورد بوجوب اتّباع الصّدق وحظر الكذب، والله سبحانه لم يشرع إلّا كلّ خير.
3- المروءة: لأنّها مانعة من الكذب باعثة على الصّدق.
4- حبّ الاشتهار بالصّدق: فمن يتمتّع بهذا الاشتهار بين النّاس، لا يردّ عليه قوله، ولا يلحقه ندم. أدب الدنيا والدين (261- 262) .

وقال منصور الفقيه:

الصّدق أولى ما به … دان امرؤ فاجعله دينا

ودع النّفاق فما رأيت منافقا إلّا مهينا

ومن خلال هذه الجولة المختصرة في استجلاء منزلة الصدق في نصوص الكتاب والسنة وفي حال الصحابة وأقوال التابعين؛ يتبين أن الصدق منزلة عظيمة ومنقبة كريمة يجب على كل مسلم أن يسعى لها، ويلتزم الصدق في جميع أحواله.

ويدرك أن الكذب مذلة ومهانة في الدنيا والآخرة؛ وعاقبته عاجلة في قلوب الخلق من البغض والكراهية وضيق الصدر والضنك؛ وما يعقب ذلك في الآجلة من العذاب والنكال الأليم.

عصمنا الله من الكذب، وجعلنا من الصادقين الثابتين على الحق وجميع المسلمين إلى أن نلقاه وهو راض عنا.


—————–
الكاتب:محمد بن عبد السلام الأنصاري


  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 54 مشاهدة
نشرت فى 2 ديسمبر 2015 بواسطة MuhammadAshadaw

بحث

تسجيل الدخول

مالك المعرفه

MuhammadAshadaw
موقع خاص بمكافحة اضرار المخدرات والتدخين ومقالات اسلامية وادبية وتاريخيه وعلمية »

عدد زيارات الموقع

676,561

المخدرات خطر ومواجهة

مازال تعاطي المخدرات والاتجار فيها من المشكلات الكبرى التي تجتاح العالم بصفة عامة والعالم العربي والإسلامي بصفة خاصة وتعتبر مشكلة المخدرات من أخطر المشاكل لما لها من آثار شنيعة على الفرد والأسرة والمجتمع باعتبارها آفة وخطراً يتحمل الجميع مسؤولية مكافحتها والحد من انتشارها ويجب التعاون على الجميع في مواجهتها والتصدي لها وآثارها المدمرة على الإنسانية والمجتمعات ليس على الوضع الأخلاقي والاقتصادي ولا على الأمن الاجتماعي والصحي فحسب بل لتأثيرها المباشر على عقل الإنسان فهي تفسد المزاج والتفكير في الفرد وتحدث فيه الدياثة والتعدي وغير ذلك من الفساد وتصده عن واجباته الدينية وعن ذكر الله والصلاة، وتسلب إرادته وقدراته البدنية والنفسية كعضو صالح في المجتمع فهي داخلة فيما حرم الله ورسوله بل أشد حرمة من الخمر وأخبث شراً من جهة انها تفقد العقل وتفسد الأخلاق والدين وتتلف الأموال وتخل بالأمن وتشيع الفساد وتسحق الكرامة وتقضي على القيم وتزهق جوهر الشرف، ومن الظواهر السلبية لهذا الخطر المحدق أن المتعاطي للمخدرات ينتهي غالباً بالإدمان عليها واذا سلم المدمن من الموت لقاء جرعة زائدة أو تأثير للسموم ونحوها فإن المدمن يعيش ذليلاً بائساً مصاباً بالوهن وشحوب الوجه وضمور الجسم وضعف الاعصاب وفي هذا الصدد تؤكد الفحوص الطبية لملفات المدمنين العلاجية أو المرفقة في قضايا المقبوض عليهم التلازم بين داء فيروس الوباء الكبدي الخطر وغيره من الأمراض والأوبئة الفتاكة بتعاطي المخدرات والادمان عليها.