بين الثورة البيضاء .. والاحتجاجات الفئوية

يخلط البعض بين ثورة 25 يناير 2011 والإضرابات والاحتجاجات والاعتصامات الفئوية أو النقابية التي طفت على السطح في الفترة الراهنة، ويعتقد البعض الآخر أن هذه الإضرابات والاحتجاجات جزء من الثورة، والحقيقة أن البون شاسع بين ثوّار يناير 2011 وهؤلاء المضربين أو المحتجّين أو المعتصمين، فالفريق الأول ثار من أجل مصر بنكران ذات واضح، أما الفريق الثاني فيعمل لمطالب خاصة بالفئة المحتجة أو المضربة عن العمل فقط، ولا أحد ينكر أحقية هؤلاء المحتجين والمضربين عن العمل وعدالة شكواهم، لكننا هنا نوضح فقط الفارق بين الفريقين، ونبين أن الوضع الراهن لا تصح فيه مثل هذه الإضرابات أو الاحتجاجات.

إن هذه الإضرابات والاحتجاجات والاعتصامات ليست وليدة ما بعد رحيل مبارك، وإنما بدأت في السنوات الثلاث السابقة، نتيجة لتفشي الفساد نتيجة أسباب عديدة لا يمكن حصرها في هذا المقال الصغير، ولكن منها على سبيل المثال وصول شخصيات غير مؤهلة بطريقة ما إلى المناصب العليا في بعض الهيئات أو الوزارات، تفاوت المرتبات بشكل مستفز في هيئات بعينها، تدني المرتبات والأجور في هيئات ثالثة، عدم تثبيت العمالة في هيئات رابعة، ثم تواكب زيادة هذه الوقفات الاحتجاجية والإضرابات في المرحلة الأخيرة من ثورة الشباب البيضاء، ونحن لا ننكر أن هذه الإضرابات ثقَّلت موازين الثورة في اليومين الأخيرين من عمر الثورة وساهمت بما سببته من شلل تام في البلد - عن غير قصد فيما أعتقد- في الإسراع بإعلان الرئيس مبارك التنحي، والذي يدفعنا بقوة لتأكيد هذه النتيجة والقول بالانفصام التام بين الثورة وتلك الإضرابات هو استمرار هذه الإضرابات بعد رحيل مبارك، ولو كانت متناغمة مع الثورة لتوقفت ولو بشكل مؤقت خلال هذه المرحلة، أي بعد رحيل مبارك.

الغريب في الأمر أن الاحتجاجات الفئوية استمرت وزادت نبرتها في أعقاب رحيل مبارك، وكل فئة تحاول أن تجد لمطالبها مكانا تحت الشمس قبل أن يسدل الستار، مع أن الأمر يهدد الحياة الاقتصادية بالتوقف والشلل التام، بما يدل على عدم وعي هذه الفئات بمصلحة مصر القومية خلال هذه المرحلة، وهذا هو الفارق الكبير بين الثوّار والمحتجين، فمصلحة الوطن تتطلب في هذه المرحلة التوقف عن المطالب الفردية والفئوية حتى تستقر الأمور وتحقق الثورة البيضاء أهدافها، فإذا كنا جميعاً قد عانينا مما نشتكي منه ويشتكي منه غيرنا في كافة مؤسسات الدولة من ظلم وفساد على مدار ما يربو على ربع قرن من الزمان، فلن يضيرنا أن ننتظر شهرا أو شهرين أو حتى سنة أخرى حتى تتهيأ الظروف، ثم إن ثورة يناير لم تأتي بحلول سحرية لكل مشكلات مصر وأنّى لها أن تأتي بمثل هذه الحلول، المشكلات التي عششت في هذا البلد على مدار حوالي ربع قرن من الزمان من الصعب أن تنتهي بين يوم وليلة، فعلى هؤلاء المحتجين أن يفهموا أن الثوار لا يملكون عصا سحرية، ومن ثم فلن تستطيع الثورة أن تأتي بحل فوري لهذه المشكلات، إنما الثورة حققت إلى الآن أهم أهدافها بإسقاط رأس النظام لكن الجهات المسئولة تحتاج لفترة للقضاء على الفساد، وتحتاج إلى فترة أطول لإعادة البناء على أسس سليمة، فالزمن جزء من العلاج، وعلى ذلك فالوقت مازال مبكرا للمطالبة بإصلاحات شاملة.

وكما يقال في المثل الثائر "لكل مقام مقال"، فمن المنطق أن يقف هؤلاء المحتجين أمام أنفسهم .. هل هذا وقت المطالب الشخصية والفئوية؟!! بالطبع لا .. إذاً لابد أن نقدم المصلحة الوطنية على المصلحة الفردية أو الفئوية لاسيما أن وزارة تسيير الأعمال تعهدت بفتح كل الملفات، مع تحفظنا على بعض الشخصيات في هذه الوزارة من رموز العهد البائد، لكنها تضم كفاءات عالية يمكن الاستفادة منها في هذه المرحلة، وأعتقد أن أي حكومة ستأتي فيما بعد سيكون في مقدمة أولوياتها معالجة هذا الخلل. فعلى هؤلاء المحتجين لأسباب شخصية أو فئوية أن يستفيقوا لدورهم الوطني في هذه المرحلة لاسيما أن معظمهم من ذوي المؤهلات العليا، أي أنهم لا ينقصهم فهم أو إدراك مصلحة الوطن في هذه المرحلة تحديداً.

المصدر: أ.د/ عبد اللطيف الصباغ
  • Currently 23/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
8 تصويتات / 171 مشاهدة
نشرت فى 19 فبراير 2011 بواسطة Latif

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

18,517