منذ اكثر من ثلاثين عاما اعمل في مجال يتطلب جودة الاداء و الالقاء ، ليس لأنني فقط اعلامية و اقوم باعمال التدريس و التدريب ، لكن لأنني مثل أي إنسان اكتشفت ان هذه المهارة من مهارات الحياة الاساسية،
و حين بدأت مشواري التدريبي مع كبار الاذاعيين في الإذاعة المصرية، وجدت فروقا كبيرة بين اداء المهنة و جودة اداء المهنة ، كنا نتدرب على مهارة قراءة نشرة الاخبار، و مهارة اداء برامج المنوعات ، و البرامج الثقافية، و البرامج الدينية ، و الاجتماعية،
كل نوعية محتوى تتطلب تعبيرا مناسبا لها،
و حين يخلط المتدرب اسلوب اداء خاصة بمحتوى مع آخر يقوم المدرب بالتنبيه الحاسم ، و حتى حين يمر المتدرب باضطربات وظيفية في الصوت لما قد يمر به من ازمات نفسية مؤثرة يلفت المدرب انتباهه لذلك، و غيرها من تعليمات واضحة متعددة،
و قد لفت الباحثون أهمية نبرة الصوت و اثرها على المتلقي ، و كلها تؤكد ما وصل اليه الباحثون الدكتور ألبرت مهرابيان صاحب النظرية الشهيرة في تأثير الرسالة على المتلفي او الجمهور ،(7 - 38 - 55) التي أظهرت أن تأثير الرسالة خلال الكلمات لا يتعدى نسبة 7 بالمائة، و38 بالمائة لنبرة الصوت، و55 بالمائة للغة الجسد ، و مهما تكررت الأبحاث تظل النتائج قريبة من هذه النسب المئوية،
و اذكر في احد ايام التدريب مع الاذاعي الكبير الاستاذ وجدي الحكيم و كانت إحدى المتدربات تلون صوتها بطريقة غير لائقة باعتباره يدربنا على اداء برامج المنوعات رفض بشدة و اعادها إلى اداء المنوعات المنهج اللطيف الراقي ، و قال ان اداء برامج المنوعات بافتعال( الدلع) و الرقة يخالف الذائقة المجتمعية بل ان برنامج المنوعات حتى و انت تنقله من على بحر فإن صوتك لا يرتدي( المايوه) و ان القدرة على صناعة البهجة و المرح لها قواعد و شروط أخلاقية و من دونها يصبح المذيع أضحوكة،!
و يرن في اذني هذا التدريب دائما و انا استمع إلى اصوات تتجاوز في حق الاداء و الالقاء و اخلاقياته ،و أتعجب ، و اتساءل هل ينبغي ان نجد في مؤسسات الاعلام الاحترافية و نقابات الاعلام كودا اخلاقيا لضبط الاداء و الالقاء وفقا لنوعية المحتوى مع أخلاقيات المجتمع؟
( الأكواد" (Codes) هي "الشيفرات" أو "الرموز"، وهي كلمة متعددة الاستخدامات تشير إلى مجموعة من التعليمات أو القواعد أو الرموز المستخدمة للتواصل أو لتحديد شيء معين. يمكن أن تشير الأكواد إلى أكواد البرمجة ، أو رموز ، أو تشير إلى نصوص تشريعات ، أو المعايير و المواصفات القياسية المحددة لاعتماد عمل مثل كود البناء)الكود يضع القواعد و المعايير الأخلاقية لممارسة عمل ،
بالطبع توجد أنواع مختلفة من النبرات الصوتية التي تُستخدم في أنواع المحتوى الصوتي ، منها النبرة المرحة الفكاهية و النبرة الجادة الرسمية و النبرة الودودة في برامج التفاعل الجماهيري ، او الحوارات التي تركز على الشخصية و النبرة الحزينة و النبرة المتفائلة و النبرة المحايد و غيرها ، اهم معيار ان تكون مناسبة للسياق و ان تكون مناسبة لقيم ، في بداياتي الاذاعية كنت اسجل اعلانات عن احد المنتجات العالمية ، و الإعلان يتم تسجيله في كل دولة مترجما بلغة الدولة ، مع استخدام الفيديو الأجنبي و يكون التغيير في صوت المذيع أو الvoice over المصاحب للاعلان ، و تناقشت مع زملائي ان كل بلد له قيم تظهر في طريقة اداء و لا ينبغي ان نعتمد طريقة اداء النسخة الأجنبية لدينا لما تحويه من ايحاءات لا تناسب مجتمعنا ، خاصة و ان الإعلان يخاطب فئات مختلفة من الجمهور ، و رفض الزملاء الا الإلتزام بطريقة الاداء الاجنبية للاعلان و رفضت ، و تم تسجيله بصوت غيري ثم تم تعديله لاحقا مع الاحتفاظ بالشعار الأجنبي مصاحبا للصوت باللغة العربية، لأن المجتمع لم يتقبل وقتها هذا الاداء،
و الآن نجد العديد من الأصوات التي تأتي بطرق اداء مبالغ فيها جدا ، اما فرط الشعبية ، أو فرط الرومانسية أو فرط التعالي و الطبقية ،
ما هذا الاداء العشوائي الذي يتم من خلاله الترويج لما يتعارض مع مجتمعنا و لا يمثله ،
هل نطالب بوجود كود أخلاقي لنبرة الصوت على غرار كود الملابس و كود التنازل الاعلامي لقضايا معينة ؟


