DEducation

توظيف الدراما فى إطار تعليمى وتربوى

ملف الطفولة المبكرة

مرحلة الطفولة المبكرة من أهم المراحل العمرية التي يمر بها الطفل

وأسرعها في حياته، حيث تبدأ فيها التغيرات الجسمية والنفسية

بالتكون والظهور. ويزداد وعي الطفل بهذه المرحلة نحو الاستقلالية

واعتماده على نفسه والانفصال، حيث يحاول التعرف على كل ما هو

حوله، وفتح آفاق جديدة للمعرفة، والتعرف على خواص الأشياء

وعلاقة بعضها ببعض. فهو بهذه المرحلة دائم الاستكشاف من خلال

طرحه العديد من الأسئلة والاستفسارات الموجهة للمحيطين من

حوله.

لكل طفل بنك من المعلومات، حيث يتملك في هذه المرحلة قدرة

عالية على تخزين المعلومات والخبرات المكتسبة وتوظيفها في المستقبل

لاحقاً. فهذه المرحلة العمرية هي أسرع مراحل النمو اللغوي تحصيلاً

وتعبيراً وفهماً، بالإضافة إلى اتصاف الطفل بهذه المرحلة بالخصوبة

في الخيال والقدرة على الربط بين الأسباب ونتائجها، وما يساعد

هذا هو التقاء الطفل بالنماذج الكبرى لتمده بالخبرات الهادفة، وتغني

بيئته بالمواد والأدوات التي سيحتاجها، والمعلم يكون النموذج الأكبر

في هذه المرحلة الذي يقوم بمد الطفل بالخبرات والمعارف الهادفة التي

تساعده في تكوين المفاهيم الخاصة به، التي يستطيع الاستفادة منها

في مراحل عمرية لاحقة.

 

وبما أنني معلمة أعمل في مجال الطفولة المبكرة منذ 9 سنوات، فقد

وجدت من خلال خبرتي المتواضعة أنه عالم كبير وواسع، يتطلب

منك كمعلمة أن تكون لديك العديد من الصفات للعمل معهم،

وأهمها الرغبة الكاملة في العمل مع الأطفال، والتمتع بذلك،

والقدرة على التحمل والصبر وبناء علاقات معهم، بالإضافة إلى

امتلاكك مستوى عالياً من التخطيط المرن، وتنظيم المهارات،

وتوظيف المواد المتاحة، وإغناء البيئة بأقل الإمكانات المتاحة.

 

ومعلمة هذه المرحلة عليها أن تكون ملمة، وليس بالضرورة متقنة

للعديد من المهارات كالفن، والرياضة، والدراما، والمسرح، فهذه

أمور تساعدها على التنويع في الأنشطة، التي تقوم بها، وتساعد

بذلك الأطفال على أن يجدوا مكانهم بينها. ومن بين هذه المهارات

التي استخدمتها، وكان لها أثر كبير في نفسية الأطفال، وترك أثره عليَّ

أيضاً، هو موضوع الدراما والمسرح. فقد ساعدني هذان الموضوعان

على التعمق في نفسيات الأطفال والتقرب إليهم أكثر، ومساعدتهم

على إطلاق ما في داخلهم، وبروز مهارات جديدة عندهم كالتمثيل،

والإلقاء، والقدرة على الربط والتحليل والإحساس بالآخر،

والمشاركة، والانتماء للمجموعة، وتقبل الآخر، والاستماع للرأي

الآخر، واكتساب مهارات حل المشكلات، وبالتالي تعلم أشياء

جديدة عن نفسه وعن الآخرين معه.

 

ففي أحد الأنشطة الدرامية التي كنت أعمل فيها مع أطفالي، بدأنا

بقصة تروي أننا كنا نعيش في بيت، ولظروف ما أردنا الانتقال إلى

بيت آخر في منطقة بعيدة قليلاً وأصغر من السابق، فطلبت إليهم أن

نسير بحرية في الغرفة، ثم رويداً رويداً بدأنا نسير ببطء أكثر، وبدأنا

نقترب أكثر من بعضنا البعض حتى أصبحنا قريبين جداً )كنت أريد أن

أساعدهم على تطوير إحساس بالمكان الذي نتخيله، وهو الانتقال من

البيت الكبير إلى الأصغر والأضيق(.

 

وعندما جلسنا على أرضية الصف أغمضنا أعيننا، وطلبت من كل

من ألمسه أن يقوم بوصف الغرفة أو محتوياتها بكلمة أو كلمتين على

الأقل. ومن ثم تابعت: عندما انتقلنا إلى هذا البيت وإلى هذه الغرفة

بالتحديد، لم يكن هنالك متسع في المكان لحمل كل حاجياتنا إليه،

فقام كل واحد بأخذ أعز شيء إليه لهذه الغرفة، وعندها وزعت

عليهم أوراقاً وأقلاماً وطلبت منهم فتح أعينهم ورسم الشيء الذي

نقلوه معهم إلى هذه الغرفة. وبعد الانتهاء من الرسم، كان على

من يريد أن يقوم، ليرينا الشيء الذي رسمه، وعلى بقية الأطفال

أن يطرحوا عليه الأسئلة حوله وحول شكله، ولونه، واسمه، ومن

أحضره، وبأي مناسبة تلقاه .. .

 

 

ومن بين ما قدم كانت صورة لشيء رسمته طفلة كانت بطبيعتها

انطوائية وخجولة، ولشدة تعجبي أنها وقفت في وسط غرفة

الصف، وأظهرت صورتها للجميع، وأجابت عن كل الأسئلة

الموجهة إليها )فقد كانت الرسمة لفراشة ملونة مصنوعة بحسب قولها

من الإسفنج، أهداها إليها والدها القاطن في أمريكا، ولم تره منذ

سنة في يوم عيد ميلادها، وانتقلت مع والدتها للسكن في بيت هنا

بالضفة، وقالت إنها لا تنام إلا عندما تحضن هذه الفراشة، لأنها

تذكرها برائحة غرفتها في أمريكا وبرائحة والدها البعيد عنها أيضاً(.

ومنذ ذلك النشاط، أصبحت الطفلة أقرب إلى صديقاتها وتشاركهن

ألعابها وتعبر عن نفسها براحة أكثر.

 

هذا مثال على أحد الأنشطة الدرامية التي قمت بها مع أطفالي، وقد

أضاف لهم ولي الكثير. ومن هنا أنصح كل معلمة تعمل مع مرحلة

الطفولة المبكرة، أن تعلم أنها أمام مسؤولية كبيرة، وأنها تبني إنساناً

نفسياً واجتماعياً وثقافياً، وأنها نموذجه الأول بعد والديه.

 

« نشاط آخر من أنشطة الدراما كان حول قصة بعنوان،» ريما في الغابة

حيث بدأته بإحماء فمشينا في غرفة الصف وأسمعتهم أصوات

لحيوانات وعصافير، وقلت لهم إننا الآن نسير في الغابة، ونسمع

الكثير من الأصوات، وقمت بإصدار بعضها، وقاموا هم أيضاً

بإصدار أصوات يتخيلون سماعها، ثم وضعت غطاء أخضر اللون

في وسط الغرفة، وطلبت منهم الجلوس حوله، ووزعت عليهم

أوراقاً وأقلاماً، وقلت لهم هنا الغابة، وعلينا رسم ما يمكن أن يكون

موجوداً فيها، وقام الأطفال بعمل ذلك، وكل منهم وضع ما رسمه

في المكان الذي يريده، إلى أن بنينا موجودات المكان معاً حسب

مخيلتهم، فكان هنالك )بحيرة ماء، وأشجار كثيرة، وأزهار،

وحجارة، وصخور بأحجام عدة، وأعشاب، وبعض منهم رسم

نفايات تركها أشخاص في المكان(.

بعد ذلك، أحضرت لهم مجسمات من الحيوانات، وطلبت منهم أن

يختار كل منهم أحد هذه الحيوانات ويجلس مكانه بعدما يضع كل

منهم الحيوان الذي يحمله في المكان الذي يراه مناسباً له، وتابعت

برواية القصة )بجانب هذه الغابة كان يوجد بيت صغير تعيش فيه

طفلة مع أبويها اسمها ريما، وكانت ريما تطلب دائماً من أبيها أن

تذهب للعب في داخل الغابة، لكن أباها كان يرفض قائلاً: أخاف

عليك، فالغابة مليئة بالحيوانات، ولن أسمح لك بالذهاب إلى

هناك(. لكن ريما لم تسمع كلام أبيها، وفي أحد الأيام، دخلت

الغابة مسرعة وأخذت تلعب وتمشي إلى أن أصبح الوقت متأخراً،

ولم تعرف طريق العودة إلى البيت، وبينما هي تمشي في الغابة رأت

كوخاً صغيراً، فقررت الدخول إليه لترتاح قليلاً، ودخلته وعبثت

بأشيائه وخربت بعض محتوياته وكسرتها، ومن ثم تركته وعادت

لبيتها ولم تخبر أحداً بما فعلته. وبعد قليل، عادت الحيوانات إلى

الكوخ لتجده مخرباً، فجلسوا يناقشون الموضوع. وهنا كان على

الأطفال أن يديروا النقاش بدور الحيوانات، وكان النقاش جميلاً

جداً، حيث قامت طفلة بتقمص شخصية النسر، وقالت كنت أحلق

بعيداً في السماء، ورأيت الفتاة التي تسكن بالقرب من الغابة تدخل

إلى ا

لكوخ، وانتظرتها حتى خرجت منه، وجئت لأخبركم بذلك.

 

وتابع معها الأطفال الموضوع، ودخلوا في الدور بكل سهولة، حيث

قالت طفلة ثانية: أنا أستطيع شم رائحتها في المكان، وثالثة قالت أنها

لعبت بأغراضي، ورابعة قالت: يجب أن تعاقب على ما فعلت،

وخامسة لم تؤيد العقاب، فقالت: أنا لم تفعل لي شيئاً ولا توجد

مشكلة لدي أن تأتي للكوخ، فلم يضرني ذلك، إلى أن اتبعت معهم

التصويت بهدف التوصل إلى رأي الأغلبية حول من يؤيد إخبار والد

الطفلة بما فعلت ابنته وأنها دخلت مكاناً لا يخصها ودون استئذان.

وكانت الأغلبية تؤيد أن يتم إخبار أبيها بما فعلت ريما، وأن تعاقب

على ذلك. وبسرعة قالت إحداهن أن تعاقب ريما بالقصاص وليس

بالضرب، وهنا فتح أفق جديد للنقاش حول: هل الضرب يعلم

ويحل مشكلة أم لا؟ فقالت أحداهن: إنني أحياناً أشاكس أمي،

وتضربني، ولكنني لا اهتم. وأخرى قالت: أنا لا أحب أن تضربني

أمي، وإنني اسمع كلامها لأنني أحبها. وهكذا استمر النقاش حتى

قررنا إخبار الأب بما حدث، وهو يتبع ما يجده مناسباً في الموضوع.

لقد كان نشاطاً ناجحاً جداً لم يحتوِ على أية أجندة أخلاقية، وتفاعل

الأطفال فيه بشكل كبير، حيث أبدوا -على الرغم من صغر سنهم-

قدرتهم على الحوار، والاستماع إلى الرأي الآخر وتقبله، وكذلك

تقبل رأي الأغلبية.

المصدر: مجلة رؤى تربوية - مركز القطان للبحث والتطوير التربوى- العدد الثلاثون من احد الأنشطة داخل روضة الاطفال
Deducation

dina sayed

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 36 مشاهدة
نشرت فى 28 نوفمبر 2010 بواسطة Deducation

ساحة النقاش

Deducation
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

695