<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
"سين ــ سين" على نار حامية
21 تموز ,2015 03:20 صباحا
عربي بريس: ناهض حتر
مطلع حزيران الماضي بدأ الجيش السوري وحلفاؤه الاستعداد لمرحلة الهجوم المعاكس. بدأ بعضه، والقرار، الآن، بالتصعيد، تدريجياً، من الزبداني إلى تطهير محيط العاصمة، إلى الحدود الجنوبية مع الأردن، من دون أن تتأثر المعارك شمالاً.
على مسار آخر، وفي 19 حزيران الماضي، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزير الدفاع، وليّ ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان. لم يرشح الكثير عن اللقاء الذي تناول ملفات عدة: اليمن وسوريا والارهاب والسلاح والمفاعلات النووية وأسعار النفط. وقد نجم عن هذا اللقاء إطار تفاهم حول خطوط عريضة.
في الأسبوع التالي، تفاعلت الاتصالات الثنائية، وجهّزت موسكو عناصر المبادرة. استقبل بوتين وزير الخارجية السوري وليد المعلم. هذه المرة، جرى الاعلان عن فحوى اللقاء، صراحة: بوتين، أكد التزامه نحو سوريا «شعباً وقيادة»، ودعا دمشق إلى حلف اقليمي ضد الارهاب، جوهره المصالحة السورية ــــ السعودية، أو، على حد تعبير المعلم، ما يشبه «حدوث معجزة».
عاد المعلم إلى دمشق وفي جعبته عرض سعودي مضمون روسياً. العرض مختوم، لكنه حدا بالرئيس بشار الأسد إلى اتخاذ القرار ببدء المفاوضات سريعاً.. ليس مع الأدوات في «المعارضة»، بل مع المشغّل الرئيسي للحرب على بلاده. وفي 5 تموز الجاري، حدث ما لم يكن متوقعاً منذ العام 2011: لقاء تفاوضي بين شخصية سورية رفيعة المستوى، من الصف الأول في الدولة، مع محمد بن سلمان!
يبدو أننا أمام تغييرات كبيرة. الاقتراح الروسي لتحالف سوري ــــ سعودي ــــ تركي ــــ أردني، لمواجهة الارهاب، لم يشمل العراق. وإذا أضفنا على ذلك اللقاءات بين السعوديين والروس والسوريين، يمكن الحديث عن مسارين للحل في المنطقة: 1ــــ تفاهم أميركي ــــ ايراني، في العراق، برضا سعودي؛ 2ــــ تفاهم روسي ــــ سعودي، في سوريا، برضا ايراني.
ما نريده نحن، بالطبع، هو تفاهم عراقي ــــ سوري، وصيغة وحدوية تجمع شتات المشرق في قوة اقليمية كبرى. لكن واقع موازين القوى يتجلى في معادلة، ستنتقل من الممكن إلى الدبلوماسية والاجراءات. كيف ومتى؟ سؤال ستتشكّل الإجابة عليه، على الأرجح، في ما بقي من هذا العام.
■ ■ ■
حيّرت الشام دارسي السياسة الكبار؛ تذهب في التحدي حتى كسر العظم.. إلا قليلاً، ثم تذهب نحو فرص التلاقي مع الخصوم، من دون أن تغادر معسكرها ومكانها ومكانتها ودورها. لا يدرك الكثيرون، الاستراتيجية المعقدة التي يديرها الرئيس بشار الأسد، ليس للحسم فقط، وانما للخروج من الحرب، والشامُ أقوى، وأكثر قدرة على التأثير، موحدة ومستقلة إزاء الأعداء والأصدقاء معاً.
أسقطت الشام، خلال أربع سنوات ونصف كل الأقنعة التي تزيّا بها المعتدون، من القناع الليبرالي... إلى القناع الطائفي، وما بينهما. أصبح واضحاً أنها، منذ اللحظة الأولى، لم تكن «ثورة»، وإنما حرب عالمية لاسقاط الدولة السورية، لمصلحة الرجعية العربية ضد آخر قلاع حركة التحرر الوطني في بلادنا، ولمصلحة الولايات المتحدة ضد ايران وروسيا الصاعدتين نحو عالم متعدد الأقطاب، ولمصلحة اسرائيل ضد المقاومة، ولمصلحة الاحتلال ضد فلسطين والجولان ومزارع شبعا.
بالإضافة إلى عدد محدود من الشباب المتحمس لـ «الربيع العربي» الأسود، لم يغرق في الوحل من السوريين سوى مَن كانوا يعيشون في الوحل اصلاً من المهربين والمجرمين والفاسدين والحثالات، وفي مقدمتهم «مثقفون مرتدّون» باعوا انفسهم للشيطان. والآن، بات المشهد مكشوفاً: ليس في الميدان سوى الجيش العربي السوري وحلفائه من جهة، والتنظيمات الارهابية المدانة أممياً من جهة أخرى. وهكذا بات على العالم أن يحدد اختياره: إما الدولة والنظام وقواعد الاشتباك المضبوطة، وإما الارهاب المنفلت من كل عقال. وهذا هو الخيط الاول.
بعد كل هذه الأشهر المريرة من القتال، والخسائر والمكتسبات، لا يزال جيش سوريا، ليس قوياً فحسب، بل قادراً على شن هجوم متزامن على الارهابيين على كل الجبهات؛ هجوم شهدنا بعض انجازاته في رمضان الفائت، لكن انجازاته الاساسية ستبدأ قريباً. وهذا هو الخيط الثاني.
صمدت الشام، حتى اضطرت الولايات المتحدة إلى انهاء الملف النووي الايراني، في تفاهم تاريخي، سيسمح للجمهورية الاسلامية بالحصول على موارد ضخمة، ودور اقليمي أضخم، وسيزيد الايرانيون الدعم لسوريا، على الملأ، وبالايقاع الذي تحدده ضرورات الصراع، وبغطاء سياسي دولي. وهذا هو الخيط الثالث. بذلك، سقط الغزو التركي ــــ العثماني. فلم تعد طهران مضطرة للصمت على جرائم اردوغان وتهديداته، وهي تحذر من «مقبرة للجنود الاتراك» في سوريا.
وفي الأساس، لم يعد الوضع السياسي الداخلي يسمح للعثمانيين الجدد ــــ الصهاينة بالمغامرات. فمن كان يتصوّر، في العام 2011، أن يدور الزمن، ليغدو الرئيس الأسد في صدارة المشهد، يمثّل الحل لأزمة سوريا والمنطقة، بينما يسقط اردوغان في الوحل، ويغدو عنواناً لأزمة تركيا. وهذا هو الخيط الرابع.
روسيا، التي دفعت ثمن وقوفها إلى جانب سوريا، باهظاً، في الحرب الأوكرانية والعقوبات، تجاوزت هذين الملفين. قضية اوكرنيا ماتت، والاقتصاد الروسي تعافى، وأدرك الغرب انه لم يعد ممكناً محاصرة موسكو، وتهميشها. تصاعدت المكانة العالمية للروس، وتعاظمت قوتهم العسكرية، وتوسعت وتعمقت تحالفاتهم الدولية في منظومتي البريكس وشانغهاي وخارجهما.
روسيا القوية والصين الغنية أدركتا أن مصالحهما الاستراتيجية تكمن في تحالفهما الوطيد. ولا توجد، في انحاء المعمورة، دولة اقرب الى هذا التحالف من سوريا، وهي، بدماء شهدائها، ستحصد نتائج التغييرات في موازين القوى العالمية، مكانةً ودوراً وسلاحاً وإعادة بناء. وهذا هو الخيط الخامس.
■ ■ ■
من موقع القوة الصاعدة، لمحت موسكو الأزمةَ العميقة التي تمر بها السعودية، سواء لجهة توتّر علاقاتها بالولايات المتحدة، او لجهة هشاشة وضعها السياسي او لجهة تورطها مع الارهاب الذي خرج عن السيطرة، وفي الحرب الفاشلة على اليمن، او لجهة التحدي (المشترك) في مواجهة نمو اقتصاد الصخر الزيتي الذي يثقل على الفريقين.
يخشى الروس من انفراط السعودية. ففي تقديرهم انه ستنشأ، عن تفككها، خلافة للتنظيمات الارهابية في معظم نجد والحجاز، من شأنها ان تقود المنطقة الى سنوات طويلة من الحرب والدمار، تصل إلى الحدود الروسية.
على هذه الخلفيات، وفي سياق إحداث توازن إقليمي مع إيران، بدأت الرياض، منذ وصل الملك سلمان وفريقه الى السلطة، بتطوير العلاقات مع روسيا. وبينما كان وزير الخارجية السعودي الراحل، سعود الفيصل، يهاجم روسيا، في القمة العربية الكسيحة، كان المعنيون في الدولتين يناقشون صفقات السلاح والسوق النفطي والملفات الثنائية. تحفظت موسكو عن قرار مجلس الامن الدولي الصادر لصالح السعودية في اليمن، ولكنها لم تستخدم الفيتو ضده. كانت تلك رسالة شديدة الوضوح لاستعداد الروس للعب دور الوسيط لاحقاً.
الرياض تتطلع إلى الكرملين لإخراجها من مآزقها وإعادة تعويمها، خصوصاً أن تنظيم «داعش» اصبح، باستقلاله شبه الكامل عن صانعيه ومموليه، خطراً داهماً عليها. من جهتها، أدركت روسيا انها تحتاج الى السعودية في ثلاثة مجالات اساسية: وقف التغلغل الوهابي ــــ الارهابي في الجمهوريات الروسية الاسلامية، وضبط ايقاع سوق النفط، وحل الازمة السورية. وهذا هو الخيط السادس بين يدي الرئيس السوري!
سوريا تخرج من هذه الحرب الموجعة إلى فضاء رحب: (1) مفوضةً من المجتمع الدولي والاقليمي بمحاربة الارهاب. وهو دور اساسي كبير في هذه اللحظة من تطورات المنطقة والعالم؛ (2) وحليفةً للمنتصرين الصاعدين، من الصين إلى روسيا إلى ايران؛ (3) ومركزاً لاستثمارات البريكس في إعادة البناء والتنمية؛ (4) ومسوّرة بجيش قوي مجرب، سيعاد تسليحه بأحدث التقنيات؛ (5) والعمود الرئيسي في تجديد النظام العربي، مع السعودية التي تعترف بانتصار الأسد، ومصر التي توصلت، الآن، إلى أنها تحتاج إلى تجديد ذلك النظام، وبالتالي إلى سوريا، حاجتها إلى البقاء.
من يبقى بعد؟
ــــ اسرائيل معزولة، وباتت بين خيارين: مقاومة في الجولان مغطاة دولياً ــــ كما كانت الحال في جنوب لبنان ــــ او الانسحاب من دون اتفاق ولا معاهدة ولا سفارة، كما حدث في لبنان أيضاً.
ـــ الأطراف الفلسطينية، المشتتة بين التنسيق الأمني مع اسرائيل في فلسطين، والتنسيق الأمني والعسكري مع السعودية في اليمن، كل هذه الأطراف عفا عليها الزمن، مثلما عفا على حكاية «القرار الوطني المستقل»، و»المقاومة» الاخوانية. فالقرار في بلاد الشام، هو للعاصمة المركزية، دمشق.. وهي أصبحت اليوم الاقدر، مع حزب الله، على إعادة بناء المقاومة الفلسطينية في خط سياسي وطني تحرري خارج المحاور والمصالح والارتباطات المشبوهة، وبعيداً عن الإخوان.
ــــ الأردن الذي يعالج الرئيس الأسد وضعه بابتسامة سمحاء وكلمتين؛ فهو الحريص على الدولة الأردنية وشعبها وجيشها واستقرارها؛ لا يرى، في النظام الاردني، طرفاً، بل أداة، سيتم خزنها، حالما يتم التفاهم مع واشنطن والرياض. وأذا كان الأسد ينظر إلى المملكة الاردنية الهاشمية، بهذه النظرة، يمكن، بالطبع، تصور كيف يقيّم جماعة 14 اذار في لبنان!
اللهم أعنْ السفير علي عبد الكريم علي على تحمّل زوّاره التائبين في الخريف وما بعده!
ساحة النقاش