<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = محمد الأشهب
سيارة تحمل عنوان : دعم الثورة الجزائرية
لا يُعرف عن الدكتور عبد الكريم الخطيب أنه كان هاويا لجمع السيارات. ربما تمكنت منه هواية أخرى، من قبيل الاحتفاظ بهياكل بنادق، تعود إلى مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال. كما تجلى الأمر يوم قدم واحدة منها هدية للعقيد الليبي معمر القذافي أثناء إقامته في صحراء غير خالية. وربما اهتم بصون أدوات جراحة، أنقذت حياة مقاومين في جيش التحرير.
يقول أحد معارفه أنه فوجئ يوما بتودد صديق قديم، تمنى عليه شراء سيارة قديمة من نوع مرسديس، تركها تخلد إلى راحة أبدية في مرآب، كان يكتفي بإدارة محركها كي لا تصاب بسكتة قلبية نهائية. فالسيارات والساعات تتطلب «لمسات حنان» للبقاء على قيد الحياة. لم يكن الصديق بدوره هاوي تذكارات حديدية، أو من جامعي التحف النادرة.
تريث الخطيب في الاستجابة لطلبه. لأن السيارة ليست بنوعيتها وهيكلها ومحركها، ولكن بتاريخها الذي يشمل وقائع هامة ظلت شاهدة عليها، لولا أن الجماد والأشياء لا يتحدثان إلا بلسان الرواة الذين يحتفظون بذكريات الأمس البعيد. على سبيل المثال لا الحصر فالعربة التي كان يمتطيها المطرب الظاهرة إلفيس بريسلي لا تشبه الحافلات المهترئة التي كان يتكدس فيها القرويون أثناء السفر من الضواحي إلى المدن. والأحذية التي تزور محلات الإسكافيين لا تضاهي أحذية سيدة الفلبين على عهد حاكمها المطلق كارلوس. تماما كما هي غرف الفنادق الفخمة التي أوت مشاهير السياسة والفن والرياضة.
كان الدكتور الخطيب تلقى سيارة المرسديس تلك هدية لا تباع ولا تشترى. وظل يعتبرها من بين أغلى ما تناهى إلى ملكيته، بفعل بادرة رمزية، تؤرخ لفترة وئام تاريخي بين فصائل الحركات الوطنية في كل من المغرب والجزائر وتونس، يوم كانت تتحدث بصوت واحد وجسد واحد. لا فرق أن يكون المرء مغربيا أو جزائريا أو تونسيا. فالانتماء واحد والمشاعر والتطلعات تلتقي في أهداف مشتركة.
ما قصة الهدية و السيارة؟ وهل أراد صديق الدكتور الخطيب أن يحتفظ بها، أم أعجبته فهام بها كما العيون والأصوات والشعر والخلخال الذي يزين ما تحت السيقان؟
عندما اختار زعماء الثورة الجزائرية العودة إلى المغرب بعد الإفراج عنهم. في خطوة للربط بين ظروف اختطاف طائرتهم التي كانت انطلقت من المغرب واعترضتها طائرات فرنسية فوق أجواء الجزائر. أصروا على ألا يتوجهوا إلى الجزائر التي دخلوها كما الفاتحين، إلا على متن سيارات مغربية محفوفة بمواكب رسمية وشعبية للدلالة على التلاحم الذي لم تنل منه المحاولات الفرنسية.
كانت سيارة المرسديس في مقدمة الموكب الذي أحاطت به جموع غفيرة من المغاربة والجزائريين المقيمين في البلاد. وقد يكون الدكتور الخطيب الذي كان أشرف على منح قادة الثورة الجزائرية جوازات سفر مغربية عندما كان وزيرا للشؤون الإفريقية، رغب في الاحتفاظ بتلك الذكرى الجياشة بالعواطف والمبادئ، ولم يجد بدا من طلب سيارة المرسديس التي منحت له، اعترافا بدوره في هذه القضية.
هكذا تقول روايات متطابقة. كان الهدف إقامة متحف تعززه الوثائق والصور والشواهد والأشرطة السينمائية الواقعية، يصبح لبنة موروث ثقافي وتاريخي مشترك، ولم تتبلور الفكرة أبعد من ذلك، بسبب الخلافات التي نشأت بعد استقلال الجزائر، وظهور المزيد من الصراعات والمنافسات التي أقحمت المغرب في معارك ما كان يرغب في خوضها بينما كان يعول على تجميع مراسلات ووقائع لتشكل مرجعية تضيء طريق الأجيال الجديدة.
روى الدكتور الخطيب أن إخوة في قيادة الثورة الجزائرية، طلبوا إليه مضاعفة الدعم العسكري الذي يقدمه المغرب. خصوصا وأن الأسلحة كانت تشترى بطرق سرية وملتوية للحيلولة دون اكتشاف مسارها. وقد تسلم قادة الثورة مبالغ مالية من البنك المركزي المغربي للمساعدة في فتح روافد جديدة لاقتناء الأسلحة. إضافة إلى ما كان يتدفق عليهم من صفقات أبرمت بين مغاربة وشركات إسبانية. ولم تكن الحكومات الأولى لمغرب ما بعد الاستقلال بعيدة عن هذه التطورات، لأن الأموال كانت تجلب من خزائن الدولة.
سيارة المرسديس التي رفض الخطيب بيعها، تمثل نموذج لصورة النضال المغاربي المشرق. فقد أطلق المغاربة على شوارع مدنهم أسماء الجزائر ووهران وتلمسان، كما فعلوا نفس الشيء مع عواصم البلدان الإفريقية والعربية. ولو جاز تغيير اسم تلك السيارة بغير مصدر صنعها، لكانت سيارة الدعم المغربي للثورة الجزائرية. لكن الشركات المنتجة لها طقوسها في إطلاق النعوت، بعيدا عن المشاعر.



ساحة النقاش