<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = محمد الأشهب
ضريبة اسمها نموت ويحيا آخرون
أراد مهووس بالأرقام الفلكية، حاضر الذهن والبديهة، احتساب مساهمات المغاربة في دعم القضية الفلسطينية، على امتداد سنوات، فاهتم بعقد مقارنة بأعداد مستهلكي السجائر وكمياتها التي ما فتئت تتزايد، على رغم كل التحذيرات الطبية، ولم يصل الأمر بعد إلى طبع صور الموتى والهياكل العظمية على علب السجائر التي تروج في الأسواق، من دون احتساب طريقة البيع بالتقسيط التي اسمها «الديطاي» عند مقتني لفافة تبغ أو اثنتين أو ثلاثة.
خلص العاقل المهووس إلى أنه إذا كان هناك شعب يتطوع إلى الموت التدريجي من أجل أن يحيا آخر، فهم فئات المغاربة مدمني التدخين الذين لا يعيرون الاهتمام لصحتهم، إلا بعد فوات الأوان. فقد سأل الطبيب أحد المدخنين إن كان يفعلها. فرد باستيحاء: «نعم أدخن قليلا»، ليجيبه الدكتور أن في التدخين لا يوجد القليل الذي يسكر كثيره، وإنما هناك مدخن وغير مدخن، وقدم مثالا عن ذلك بأن الحديث عن المرأة حين تكون حاملا، لا يقترن ببعض الحمل أو كثيره، لأن هناك حاملا وغير حامل فقط.
قبل أن ينهي الرجل معادلاته الحسابية اضطر إلى أن يضيف إليها مداخيل قاعات العروض السينمائية، يوم كانت وسيلة الترفيه والتثقيف المتاحة للسياحة في العوالم البعيدة. وكانت السلطات أقرت اقتطاع بعض ضرائب السجائر والسينما لفائدة دعم القضية الفلسطينية، من دون الحاجة إلى العودة إلى البرلمان. فالبلاد كانت تسير بلا مؤسسات منتخبة، بعد فرض حالة الاستثناء، ولم يعمر برلمان العام 1970 كثيرا. لكن أحدا لم يكن يعارض في إجراءات نبيلة المقاصد مثل هذه، فالمغاربة كرماء في التضحية والتضامن، ولعلهم أول من أبدع فكرة منح جلود أضاحي العيد إلى الثورة الجزائرية وإلى دعم الحركة الوطنية بسخاء. وإن استطاع البعض أن يغتني منها في ظرف وجيز.
ويحمد المغاربة الله أن الفلسطينيين يبادلونهم التقدير والتضامن بمثله وأحسن، وليس على عادة ناكري الجميل الذين استبدلوا التضامن بالشقاق. غير أن المهووس بالحساب كان يرغب في معرفة حدود تلك الإجراءات، هل ما زالت سارية المفعول، أم توقفت؟ في ضوء وجود آليات تضامنية جديدة، غايتها من ذلك إبراز أن دول الماء مثل نظيراتها النفطية لم تتخلف عن دعم القضية المركزية. فالأنهار يفيض منسوبها بقطرات المطر.
حكى أستاذ فاضل في اللغة العربية وآدابها أنه أمسك بأحد تلامذته يدخن خلسة، فنبهه إلى مضار التبغ وشروره على الصحة والمال، ولم يرتدع ما حذاه إلى طلب والده الذي حضر إلى الثانوية، وكشف أنه يمد ابنه بمصروف الجيب مرة في الأسبوع، إذ تعود على مرافقة زملائه إلى السينما. والتزم أمام الأستاذ أن يفعل كل ما في وسعه للحيلولة دون سقوط نجله في دائرة المدخنين القاصرين، الذين يقلدون الكبار ونجوم السينما ومشاهير الكازينوهات ورجال العصابات.
كما يبدأ تقليد الأبناء للكبار من تلمس الذقون التي لم تحلق بعد، أو من النظر إلى المرآة بالنسبة إلى البنات ووضع اللمسات الخفيفة للماكياج، يكون التدخين في البداية مجرد وسيلة سرعان ما يتم الابتعاد عنها، أو الاستمرار فيها. ولا يكون ابن البط عوام إذا كان الأب شديد السعال.
بعلاقة مع حكاية التلميذ، فقد نفى الابن أن يكون دخن يوما في حياته، ولو على سبيل التجريب. وعندما واجهه الأب بالوقائع كما رواها الأستاذ، فكر الابن في حيلة لتجاوز المأزق، فكان أن اعترف بالمنسوب إليه، وبرر ذلك أنه ورفاقه إنما يدعمون القضية الفلسطينية بهذه الطريقة من خلال مصروف الجيب. وإنها لحيلة ذكية وشبه مقبولة، لولا أن الأستاذ وجد الفرصة سانحة دعا من خلالها تلامذته إلى تقديم عروض عن الصراع العربي-الإسرائيلي وتطورات القضية الفلسطينية. وقال إن من يومها كف التلميذ عن التدخين خلسة وصار مثالا في الدراسة والانضباط. وأسعفت التضحية ببعض المال وكثير من الصحة مدمنين على ألا يتخلفوا عن دعم القضية الفلسطينية.
الراجح أن وزير المالية الذي كان وراء الاقتراح، عمل بنصيحة البحث عن الموارد من حيث لا تحتسب، أي اقتطاع جزء من ضرائب استهلاك التدخين وواردات عروض السينما لفائدة منظمة التحرير الفلسطينية. وبقي السؤال عالقا، إن كان يشارك جمهور المساهمين بنفس التضحية. فذهاب الوزراء إلى السينما كان من النوادر، إلا حين يحطون الرحال في عاصمة الأنوار، باريس. أما عن التدخين فقد كانت تقاليد تقضي بأن تقدم شركة التبغ للوزراء وكبار المسؤولين والمديرين أكثر مما يستهلكونه شهريا، أو في كل ثلاثة أشهر، تماما كما كان يتم تزويدهم بأكياس السكر والشاي كهدايا دون مقابل، ولم يجد أحدهم أي حرج في أن يطلب تزويده بالسيجار الكوبي بدل من اللفافات الشقراء والسوداء. وكان رجل الأعمال الثري، محمد كريم العمراني، أول من أدخل عادة تدخين السيجار منذ كان مكلفا بمهمة في المكتب الشريف للفوسفاط، حيث وقف بعد ذلك بحوالي عشر سنوات على تأسيس الشركة الوطنية للاستثمار. وعمل في أول مجلس اقتصادي واجتماعي عرفه المغرب، قبل أن تنص دساتير المملكة على دوره الاستشاري.
بعض الإجراءات يكون لها ما يبررها في حينها. والأكيد أنه لو فرضت ضريبة على الأنواع الفاخرة من السيجار القادم من وراء البحر لكانت المداخيل أكثر. وثبت أن فقراء المغرب يعتلون المقدمة في التطوع والتضامن وأنواع الاكتتاب، لأنهم يقتنعون بذلك، شرط ألا يكون الأمر مفروضا، أو يذهب في غير محله.
والأمر لا يزيد عن وقائع حكايات ارتبطت بفترة فرض تلك الضرائب.



ساحة النقاش