<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = محمد الأشهب
مقايضة المعاناة بالغش والمال
الغش والتدليس والتزوير في الوثائق، وانتحال صفات شخصيات، كلها تُهَم دامغة، تنطبق على تحويل المساعدات الإنسانية الموجهة إلى سكان مخيمات تيندوف جنوب غربي الجزائر. ينضاف إليها التواطؤ بين السلطات الجزائرية وقيادة الجبهة الانفصالية، بغرض الاستيلاء على تلك المساعدات وبيعها في الأسواق السوداء.
الغش هنا واضح، من خلال الإدلاء بمعطيات لا وجود لها على أرض الواقع، وتحديدا تضخيم أعداد السكان المحتاجين، بغاية ترفيع كميات المساعدات، في حين أن انتحال الصفة، يبرز من خلال الإيحاء بوجود لاجئين، مع أن الأمر يتعلق بأعداد من الأشخاص المحتجزين، أما استفادة مسؤولين جزائريين من مداخيل الاتجار في المساعدات، فهو أسطع دليل على التزوير. أقله أن التلويح بالدفاع عن مبدأ تقرير المصير إنما يخفي الدفاع عن مصالح شخصية، تتجلى في ما يتم جلبه من بيع تلك المساعدات، فالمبادئ هنا يتم مقايضتها بالربح.
لا أحد أجبر الجزائر على أن تكون في هكذا وضعية، تتردد أسماء مسؤوليها في الاتجار بالمساعدات الإنسانية التي تقدمها الدول المانحة لأهداف إنسانية، وما من مبرر يمكنها التذرع به في تضخيم أعداد المقيمين قسرا في المخيمات، سوى أن زيادة الأعداد يكون لها ما يقابلها في الحسابات المعرفية الخاصة. بل إن الاعتقاد بأن النفخ في تلك الأعداد للإحالة على إمكان قيام كيان مصطنع، لا يساوي شيئا أمام الغنائم التي توفرت للسلطات الجزائرية، عبر تحويل المساعدات واستبدالها والغش في نوعيتها.
سيكون الاتحاد الأوروبي على موعد مع دراسة هذا الملف الفاضح الذي ظل حبيس الالتواء والتجاهل، على ضوء تقارير ميدانية أنجزها خبراء أوروبيون، عاينوا عن كثب مجالات صرف المساعدات الإنسانية وطرائق الغش فيها. وإذا كان من خلاصة تفرض نفسها قبل مباشرة هذا الملف، فهي أن رفض الجزائر كل المحاولات الرامية إلى مجرد إجراء إحصاء دقيق لسكان المخيمات، باتت خلفياته جلية للعيان. عبر استغلال مزدوج يلتقي عند أهداف محددة.
من جهة هناك استغلال الأوضاع المأساوية لسكان المخيمات للإيهام بوجود قضية معينة تناقض في جوهرها حق العودة الطوعية الذي يكفله القانون الدولي والأوفاق الإنسانية. وهناك جهة أخرى للاستخدام السياسي والمالي لهؤلاء المواطنين بمثابة أصول تجارية للإغناء غير المشروع. وإذا كان المغرب نبه منذ اليوم إلى أن هذه القضية تعتبر أكبر كذبة في التاريخ المفترى عليه، على اعتبار أنه لم يكن هناك أي وجود للجبهة الانفصالية في فترات الكفاح ضد الاستعمار الإسباني. فقد حان الدور كي يستخلص الاتحاد الأوروبي الأبعاد الإنسانية والسياسية لاستمرار المشكل. ليس فقط من خلال فرض رقابة صارمة على المساعدات الإنسانية التي ثبت أنها تستخدم في غير مقاصدها، ولكن من خلال متابعة المتورطين في أعمال الغش والسرقة والتزوير.
إذا كان من انتهاكات لأوضاع حقوق الإنسان في مخيمات تيندوف تشمل حظر التجوال والتنقل والتفريق بين العوائل وفرض القبضة الحقيقية على الأنفاس، فإن استغلال المساعدات الإنسانية الممنوحة من طرف الاتحاد الأوروبي يشكل ذروة تلك الانتهاكات، كونها تطال خيانة الأمانة واستغلال أشكال التعاطي الإنساني مع الأوضاع المأساوية، من خلال مراكمة الثروات. وتبقى مسؤولية السلطات الجزائرية ثابتة في كل هذه الانتهاكات، فهي المسؤولة قانونيا عن أوضاع المخيمات، وإن كانت تعمل وفق قاعدة «حاميها حراميها».
لن يكون النقاش حول هذه المسألة منفصلا عن مجمل أوراق الملف، فمن يخادع في تقديم أرقام غير حقيقية بأعداد السكان الموجودين في المخيمات لن يتوانى عن المخادعة في كل ما له ارتباط بالملف من تزوير التاريخ والحقائق والمواقف إلى ممارسة سياسة التضليل والابتزاز.
أي قضية هاته التي تدافع عنها السلطات الجزائرية، وكل ما تفعله هو تأمين حيازة مساعدات توجه إلى الأسواق السوداء. هل بلغ العجز الجزائري في ضمان الأمن الغذائي إلى الحد الذي جعل بعض المسؤولين يسطون على المساعدات؟ وأي قضية هاته التي تدافع عنها قيادة الجبهة الانفصالية، وقد أصبحت شريكا أساسيا في الغش والتلاعب بالمساعدات الإنسانية؟
صار مفهوما لماذا هناك أوساط داخل الجبهة تمانع في الذهاب نحو التسوية السلمية، فقد تأكد لها من خلال نفض الغبار من جانب من نال المساعدات الإنسانية أن الحل معناه وقف المساعدات. وعودة السكان إلى وطنهم المغرب، كي ينعموا إلى جانب إخوانهم وأبناء عمومتهم بالاستقرار والإخاء والمشاركة في التدبير الديمقراطي لشؤونهم.
ولعل المغاربة في وضعية كفيلة بإنصاف أصحاب الحق الشرعيين. أما الذين يعجبهم رنين المال، وإن كان على حساب شظف وبؤس حياة سكان المخيمات، فقد حكموا على أنفسهم بأنهم يقايضون في المعاناة التي طال أمدها.



ساحة النقاش