<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = محمد الأشهب
شريط آخر للعقاد ضد «الرسالة»
وصف المخرج العالمي مصطفى العقاد اشتغاله على التاريخ الإسلامي بأنه «أكثر مشقة». ذلك الصباح اختار تناول فطوره في فناء فندق حسان بالرباط، وفيما أخذ نفسا طويلا من غليونه الذي لا يفارقه، أدار وجهه إلى نادل الخدمات، يسأله: ماذا كانت البناية قبل أن تصبح فندقا؟
رد النادل بأنها كانت مدرسة لتعليم فنون الطبخ وتقاليد الضيافة، ضمن معهد مختص بالسياحة، وغاب عنه أن العقاد كان يستفسر عن فن العمارة ومهارات النقش على الجبس والخشب، باعتبارها مظهرا حضاريا يشي بالإعمار والإعجاز. إذ يدل على أن من يمضي الأعمار والأحقاب في صنع هكذا فضاءات، لا يمكن أن يعادي الآخر.
انتظر العقاد بعض الوقت، ثم جاءت البشرى التي تفيد بأن المغرب على استعداد لمساعدته في تصوير شريطه السينمائي عن نبي الإسلام محمد عليه السلام، مشترطا فقط أن يحمل عنوان «الرسالة». كانت لجنة ضمت علماء ومؤرخين وباحثين أمضت أشهرا عدة في قراءة سيناريو الفيلم وشخوصه وأحداثه، ومقارنتها بالوقائع الدينية والتاريخية التي تعرض إلى فجر الإسلام.
كان السؤال المحوري، كيف سيقدم الشريط صورة رسول الإسلام الذي يحظر تمثله وتشخيصه، ورأى المخرج الكبير أن الأضواء التي تحجب الأنظار حين تسلط على الناظرين، يمكن الاقتداء بها كنور يسطع فوق كل الأضواء، فقد كان مهتما بتقديم صورة مشرقة للإسلام، ترد على كل المزاعم والافتراءات، ولم يكن وقتها حدث ذلك الربط التعسفي بين الإسلام كدين وقيم سامية، وبين انحطاط الأعمال الإرهابية التي أساءت إلى مفاهيم التعايش والتسامح.
كانت جرأة كبيرة من الغرب، واستباقا استقرائيا لما يمكن أن تتطور الأحداث في اتجاهه، وحين بدأ التقنيون الكبار في استيحاء معالم النشأة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية، عبر استحضار أشكال البناء والأسواق والمعالم، استنادا إلى مجسمات استغرق إنجازها فترة طويلة، تحولت ضواحي ورزازات إلى صورة مصغرة بالواقع الذي كان، فيما ممثلون عالميون أمثال أنطوني كوين وابرين باباص، ومغاربة مثل محمد حسن الجندي وعبد الله العمراني، وعربيا من مستوى حمدي غيث وآخرين كانوا منكفئين يقلبون صفحات التاريخ والأحداث، حتى إذا بدؤوا في تشخيص أدوارهم أدوها بكل إتقان.
لكن العقاد كان ينظر من وراء عيون الكاميرا إلى ما هو أبعد من الصورة، فالبداية ستكون من «الرسالة» ثم يليها «أسد الصحراء» عمر المختار، ثم صلاح الدين الأيوبي، قبل العودة إلى المغرب لإنجاز شريط لم يبدأ اسمه «فتح الأندلس». وأخبرني الصديق الممثل محمد أبو الصواب، أن المخرج العقاد طلب إليه يوما أن يقتني له أكبر عدد من الكتب والمراجع التي تتحدث عن تاريخ المغرب.
وكان إذا انزوى الممثلون والتقنيون الذين جمعهم حوله بانتقائية مهنية أبانت عن قدرات الكفاءات المغربية، حين تتاح لها الفرصة، إلى استراحتهم، يدفن رأسه في كتاب، ثم لا يلبث أن ينادي على أحدهم للاستئناس بفكرة أو واقعة تاريخية، وكان يجد في المبدع المغربي الكبير محمد حسن الجندي المحاور الفذ، خارج دائرة الأضواء السينمائية.
حين اضطر إلى إتمام الجزء الثاني من مشاهد الإخراج التي دارت في الصحراء الليبية، بعد أن تعرض المغرب لضغوط حتمت تعليق العمل لإنجاز كل الشريط، لم يغادره هاجس المعارك التاريخية التي جمعت المغاربة والمشارقة في ملاحم عديدة. فالرجل يتحدر من سوريا التي كانت عرفت معارك إسلامية كبرى، ويحرص على ربط صلات التاريخ بين مشرق العالم العربي ومغربه. وفكر أن تكون رحلة ابن بطوطة في مقدمة مشاريعه المرتقبة.
قبل حوالي عشر سنوات قادته الأقدار إلى عمان لحضور حفل زفاف نجل أحد أصدقائه، تواعد في بهو الفندق مع إحدى بناته التي قدمت من العاصمة الأمريكية التي كان قضى بها ردحا من الزمن، يدرس فن الإخراج السينمائي في أرقى الجامعات في لوس أنجلوس، وقبل أن يكمل لحظة عناق أبوي حدث انفجار مهول أودى بحياة أعداد كبيرة من الضحايا.
المشهد ليس سينمائيا، إنه من الواقع الذي رهن حياته لمناهضته والتنديد به، حين يتحول الإنسان إلى متفجرات ويتمنطق بأحزمة ناسفة عمياء وموغلة في القسوة والوحشية. فقد جاءت امرأة من العراق تدعى ساجدة، وقد سجدت لغير الله، رفقة زوجها في مهمة انتحارية، سجل اسم المخرج الكبير ضمن ضحاياها.
في هذه الأيام، عادت صورة ساجدة إلى الواجهة في ضوء مقايضة الدم بالحياة، وما فكر المخرج العقاد في أن مقتله سيأتي على يد متشددين أجهضوا حلمه الكبير في إنجاز شريط حول صلاح الدين الأيوبي وآخر عن فتح الأندلس. والمثير أن المحاولات التي همت إخماد نفسه الإبداعي، إذ ترفض أوساط تقديم أبطال مسلمين في زمن هدر الدماء الإسلامية وغيرها من أبناء الديانات السماوية، لم تفلح في ما قام به رجل وامرأة ينتسبان إلى الإسلام.
ويا حسرة على معاودة إحياء زمن يحاول فيه البعض إطفاء نور الله بالأفواه، وما خمدت أنوار الهداية وعدم الاستسلام لكافة أنواع الشرور أبدا.



ساحة النقاش