<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = يونس جنوحي
ديمقراطية الحرب قبل «الشراب»
لا أحد يعرف أمريكا أكثر من الأجانب. الأمريكيون أنفسهم لا يعرفون أي شيء عن بلادهم وعن حروبها.. الكبيرة منها وحتى الصغيرة.
قبل حوالي شهرين، أثار فيلم وثائقي ضجة كبيرة في الولايات المتحدة، لكنها لم تكن أكبر من ضجة أفلام «الترفيه» الأمريكي.
اختار له صاحبه عنوانا مثيرا يحيل على المصير الذي آلت إليه العراق بعد سنوات طويلة من الحرب: «العراق يتفتت». كان هو عنوان شريط وثائقي عمره دقائق معدودات، لكنه يعري سنوات طويلة من الاحتلال الأمريكي للعراق، وكيف تحولت تلك الدولة التي كانت يوما ما تحتل صدارة الدول العربية في جودة التعليم والتنمية، لتصبح اليوم مجرد مقبرة كبيرة وبرك متفرقة من دماء العراقيين التي أصبحت أرخص من دم فأر فوق مصيدة صدئة.
يسخر أحد الكوميديين الأمريكيين، المنحدر من أصول إيرانية، من سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق بالقول إن الشيطان يحاول العثور على رقم هاتف جورج بوش حتى يتعلم على يديه أمورا كثيرة تعينه على القيام بمهمته التاريخية في إغواء البشر وتدمير حياتهم.
الفيلم بطبيعة الحال، تم تصويره في العراق، ويتضمن مشاهد صادمة للوضع الذي آل إليه البلد، والأوضاع التي يعيشها الأطفال المعاقون والنساء الأرامل والرجال الذين يجرجرون أجسادهم أو ما تبقى منها، للوصول إلى أقرب نقطة للحصول على المساعدات.
ما لا ينتبه إليه الأمريكيون اليوم، هو أن سياسييهم أفقروهم واشتروا بأموالهم أطنانا من الرصاص الذي أفرغوه في أجساد العراقيين طوال سنوات احتلالهم لتلك البلاد. وهكذا أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية أقوى دولة في العالم، لكنها تعج بالمتشردين، وضحايا حرب العراق الذين فقدوا أرجلهم وأيديهم هناك، وعادوا إلى بلادهم على كراسي مدولبة، وهم دون سن العشرين.
حاول الإعلام الأمريكي أن يقدمهم في البداية أبطالا قوميين، لكن أغلب الأمريكيين يعلمون جيدا أن أغلب أولئك الجنود الذين عادوا إلى بلادهم معطوبين ومعاقين جراء حرب لا يعلمون حتى سبب قيامها، أنفقوا أموال التعويض كلها في شرب بعض الكؤوس في حانات مظلمة في كافة المدن الأمريكية. حتى أن بعضهم أصبحوا متشردين، يجرون معهم عربات من الألمنيوم، يضعون فيها أشياءهم القليلة، ويتجولون بين شوارع المدن ويستعطفون الأمريكيين المحظوظين الذين لم يشاهدوا الحرب في حياتهم، ليمنحوهم «الصرف» الزائد في جيوبهم. ومنهم من أصبح يستجدي الأمريكيين ليمنحوه بقايا البيتزا ليسد بها الرمق.
الكذبة الأمريكية تقول إن البيت الأبيض هو المخلص الوحيد للعالم من شروره التي لا تنتهي، ولهذا السبب تحديدا قررت أن تتدخل وتخلص العراقيين من دكتاتورية صدام حسين، وعندما نجحت في الأمر، قررت أن تمنح العراقيين هدية أكبر، تتمثل في الدكتاتورية الأمريكية.
في القديم، كان العراق مصدرا لأغلب الكتب التي تطبع في العالم العربي، ومصدرا للبرامج الثقافية في الراديو والتلفزيون، ووصلت درجات الأمية نسبا متدنية جدا، إلى الحد الذي تفاءل فيه المثقفون وأوشكوا أن يعلنوا العراق أول دولة عربية خالية تماما من الأمية والأميين. لكن الحرب وحدها كانت كفيلة بأن تدمر كل شيء باسم الديمقراطية الأمريكية.
الشريط الذي يعرض الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، ويقتنيه الأمريكيون في أقراص «دي في دي» بعيدا تماما عن مخاوف القرصنة، لأنهم لا يملكون «درب غلف» خاصا بهم هناك، أصبح أكثر الأشياء إزعاجا للسياسيين الأمريكيين ومؤيدي الحرب على العراق قبل سنوات.
الأمريكيون بالكاد يستفيقون، ليدركوا أن بلادهم أدخلتهم بركة أخرى شبيهة بمأساة الفيتنام، التي يخجل الأمريكيون اليوم من ذكرها.
المضحك في الأمر أن أمريكا لا تسمح لمن هم في سن 18 أن يشربوا في الحانات وفرضت عليهم أن ينتظروا بلوغ الحادية والعشرين ليتذوقوا «البيرة» الأولى في حياتهم، لكنها لم تمهلهم نفس المهلة لتوجههم إلى الحرب في العراق. الديمقراطية الأمريكية تعني أنه لا يمكنك أن تشرب إلا عندما تتجاوز العشرين من العمر، خوفا على صحتك.. لكن بإمكاننا أن نستعملك في الحرب وإذا بقي منك شيء، سنصرف لك تعويضا حتى تشربه في جميع حانات أقوى دولة في العالم ! والجميل في الأمر، أنك لا تعلم أي شيء بهذا الخصوص.. تابع أخبار المشاهير فقط.



ساحة النقاش