<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = طارق أوشن
تجار الدم .. تجار السياسة
بعد أن فشل الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في وقف مستوى شعبيته المتهاوية، منذ دخوله قصر الايليزيه، بسفك دماء الأفارقة في مالي وإفريقيا الوسطى أو العرب والمسلمين في سوريا والعراق وربما ليبيا في القادم من الأيام، كان للدماء «الغالية» لدى الفرنسيين لرسامي «شارلي ايبدو» الوقع الطيب على الرجل، الذي فهم منذ اللحظة الأولى، أنها هدية غير متوقعة لمحاولة الظهور بمظهر رجل الدولة، فحضر إلى مكان «الجريمة» بعد أقل من ساعة من وقوعها، ليوزع بعدها برنامج عمله في زيارات لكل من ولكل ما يمكنه أن يرفع من معدل «ثقة» الفرنسيين في أدائه، ولو اضطره ذلك إلى إحضار «زعماء» العالم للسير جنبا إلى جنب بمسيرة باريس «التاريخية». نجحت الخطة وارتقى هولاند إلى ما يفوق الأربعين بالمائة في استطلاعات الرأي قفزا على دماء المختطَفين والمختطِفين على حد سواء.
ليست هذه المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يجنح فيها الساسة إلى استثمار «المآسي» الخاصة والعامة لتحقيق طموحات شخصية. ولم يكن هولاند الوحيد الذي شكلت «شارلي إيبدو» طوق نجاته أو سهم استثماره الناجح. لقد كان «ورثة» الجريدة الفرنسية أول من سعى بكل قوة إلى تحقيق أكبر المكاسب المالية في استغلال فاضح للعاطفة الجماهيرية، التي عرفت وسائل الإعلام الفرنسية كيف تستثيرها، للحصول على أكبر ربح مادي يعرفون أنه لن يستمر كثيرا بعد أن يستفيق العامة من الغيبوبة الفكرية، التي أدخلتهم «الصدمة» غياهبها، بمجرد الاطلاع على المادة المقدمة على صفحات الجريدة عددا بعد عدد. صاحبة حركة «للا ومالي وتقرقيب الصطالي»، المشهورة بمناداتها إلى نزهة الإفطار الرمضاني العلني، وبعد أن جابت القنوات التلفزيونية ممثلة لشارلي وهي التي لم تكن تعلم حتى محتوى الصفحة الأولى للعدد الجديد، نطقت والحزن «يغلبها»: أخيرا تم فهمنا والثمن اثنتا عشرة جثة. أما جانيت بوغراب، فقد استماتت في تقديم نفسها رفيقة لشارب قبل أن تتدخل عائلته وتطالبها بالكف عن الخوض في الموضوع والحديث باسم ابنها، في شكل فاضح من تنازع «شرعية» القرب من الرسام المشهور.
المعهد الوطني الفرنسي للملكية الفكرية رفض خمسين طلبا وضعت أمامه، أسبوعا فقط، بعد الهجوم على الجريدة الساخرة لاستغلال علامة (أنا شارلي) في منتوجات تجارية مختلفة. أما مواقع التجارة الالكترونية فقد حفلت بعروض بيع لأعداد سابقة وصل ثمن أحدها الستين ألف أورو. هذا هو الوجه الآخر لمجتمع فرنسي أراد القائمون على حكمه إظهاره بمظهر المعتنق للفكر الجمهوري والوحدة الوطنية في مواجهة الخطر القادم من... حيث لا يدرون. هو الوجه الذي بدا واضحا في مشاركة إذاعية لنيكولا ساركوزي، الطامح لاستعادة عرش الايليزيه، حين ظهر ممتعضا وساخرا من حديث امرأة فرنسية عن اعتناقها الإسلام، وهو لا يدري أن المقابلات الإذاعية صارت أيضا مصورة.
فرنسا ليست البلد الأمثل لتقديم الدروس لنا كما تحاول وزيرة العدل (كريستيان توبيرا) أن تفعله. ففي الوقت الذي التهينا فيه بمؤخرات الشيخ سار، كانت فرنسا تتلذذ بالنظر إلى مؤخرة عارية لرفيقة هولاند السابقة سربت إلى الصحافة وهي التي صورت من طرف الأمن الرئاسي. وفي الوقت ذاته أحكمت عائلة لوبن قبضتها على مفاصل حزب الجبهة الوطنية، فالأب جون ماري هو الرئيس الشرفي، والبنت مارين رئيسة الحزب الفعلية، والحفيدة التي انتخبت أصغر برلمانية في تاريخ الجمهورية الفرنسية صعدت إلى اللجنة المركزية للحزب. وفي فرنسا أيضا يتم التجييش للمسيرات وللتصويت لأشخاص بعينهم كما حدث في المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي جمعت لوبن بشيراك، وفيها فاز الأخير بأكثر من 85 بالمائة بعد حملات دعائية في الصحافة والتلفزيون تذكر بالعهد الستاليني.
في المغرب، أصدرت محكمة استئناف حكمها بإلغاء حكم ابتدائي بتعويض بلغ أربعين مليون سنتيم لعائلات ضحايا معمل «روزامور» حيث مات أكثر من خمسين عاملا وعاملة احتراقا أو اختناقا. يأتي هذا بعد ما يفوق السبع سنوات على الفاجعة التي هزت الرأي العام الوطني. قبلها لم تحكم محاكم المملكة الشريفة للضحايا إلا بتعويض بحدود مائتين وعشرة دراهم في الشهر. أقرأ هذا الخبر وصوت بسيمة الحقاوي، النائبة البرلمانية وقتها ووزيرة للتضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية حاليا، يدوي في أذني وهي تصرخ في البرلمان متهمة القناة الثانية المغربية بأنها ترقص على جثث الموتى. لم تكن تهمة القناة غير أنها بثت سهرة السبت دون تغيير. وفي المغرب أيضا، حاول زعيم اشتراكي تزعم مسيرة منددة، قبل سنوات، بموقف الحزب الشعبي الإسباني من القضية الوطنية، وانتهى به المطاف في الأسابيع الأخيرة يحارب طواحين الهواء ويجاهد لاسترجاع ملكية مقر جريدة كانت رقما صعبا في الواقع السياسي المغربي قبل أن تصير مجرد تكملة عدد وربما تصبح نسيا منسيا.



ساحة النقاش