<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = وفاء المهدي
رحمة الكلمات
حين نسمع الإعلام ينقل لنا أخبارا عن مقتل عدد من الأشخاص أو جرح عدد منهم.. لا يتحدد لنا كيف قتل كل واحد من هؤلاء، وكيف جرحوا، فاستخدام كلمة جرح، تجعلنا نهرب بفكرنا ببساطة شديدة حد السذاجة، حيث لا يوجد البتر والقطع وتهشيم العظام وسلخ الجلد.. حيث لا نسمع الصراخ ولا الأنين، ولا تصلنا رائحة اللحم المحترق ولا الدم المتختر على الأشلاء.. نحاول أن نهرب بفكرنا عن كل ذلك ونتمسك بفعل جُرح، لنعطي لأنفسنا أملا زائفا، أن هؤلاء حالهم لن يكون أسوأ، وأن من ماتوا حالهم أفضل لأنهم عرفوا الموت بسرعة، ولم ينشطروا، ولم تتشوه معالم جسدهم.. لا نفكر كذلك في حال الأهالي وهم يتلقون الخبر، حجم الصدمة وما يختلط على ألسنتهم وعقولهم.. وكذلك حين نتلقى خبرا عن عدد السوريين الذين قضوا بسبب موجة البرد، نشفق ونأسف دون أن نفكر في أطرافهم المتجمدة وهي تحترق بردا حتى تسكت آخر أنين يصدر عنهم.
هل اللغة قاصرة على الإلمام بكل هذه الحالات؟ الأكيد أنها ليست قاصرة، هي فقط تترك هامشا للآخر لبناء أفكاره بحسب تجاربه الحياتية، تحمل تصورات عامة دون تخصيصها بشكل أدق، وحين تريد تخصيصها وتوضيحها أكثر، تعمد للحكي. فالحكي وسيلة تصويرية تقدر الآخر، تجعله قادرا على تصور الأشياء دون إكراه، تجعله قادرا على تصور الأشياء في حدود ما يستطيع تصوره. «داعش» عرفت الفرق بين الكلمات والصورة، فالكلمات يتم اعتمادها بمقاس محدد لأغراض محددة وللأسف لأغراض سياسوية، في حين أن هذا العصر هو عصر الصورة بامتياز ولا مجال فيه لترك المتلقي يعتمد على الكلمات لبناء أفكاره الخاصة أو الموجهة. لذلك فقد تم تقييد هذه الحرية كذلك، وهي حرية بناء الأفكار على أساس الكلمات والتي تجنب صاحبها الكثير من الألم والصدمة، وتتيح له تحكيم قدراته العقلية عوض الانخراط في انفعال عقيم. ولذلك نجد «داعش» تصب اهتمامها على إعطاء صورة حية للقتل والتعذيب الذي تمارسه على ضحاياها، ليس لترسخ قوتها في الأذهان، بل لتجعل كل من يشاهد مقاطع الفيديو يعيش تلك اللحظات، فتترسخ الصور وتفرض ذاتها أكثر، وتسلب منه ما فضل من كلمات.
سابقا، كان ضحايا الحروب والجنود العائدون من ساحات المعارك، يعيشون صدمة قد تطول وقد تقصر لهول ما رأوه من موت يتلوى أمامهم، ونحن الآن بعيدون عن ساحات المعارك، لكن الصور صارت تلاحقنا من كل جانب، وفعلا صار البعض يعيش اضطرابات نفسية بسبب هذه الصور التي تؤثر بشكل سلبي على حياته، قد تصل بالبعض درجة تجعلهم يوثرون الذهاب لساحات المعارك للمشاركة.
هل الكلمات رحمة أم نقمة للإنسان؟ إزاء ما يحصل الآن، وهي غلبة الصور على تواصلنا، فالكلمات أرحم.



ساحة النقاش