المساء = يوسف بلال
اللغة العربية ودرس السفير
العدد :2566 - 29/12/2014
في ندوة نظمتها وزارة التربية الوطنية يوم 18 دجنبر واستدعي لحضورها السفير الروسي لدى المغرب، استغرب هذا الأخير طلبَ ممثلي الدولة المغربية منه أن يلقي عرضه باللغة الفرنسية، الشيء الذي رفضه السفير، بل قرر أن يتكلم باللغة العربية الفصحى في لحظة تبدو «سوريالية» اليوم ذاته الذي يحتفي فيه المغرب والدول أعضاء اليونسكو باليوم العالمي للغة العربية. والحقيقة المرة هي أن هذه العقدة تجاه اللغة الفرنسية نراها يوميا في تسيير شؤون الدولة، في ميدان الاقتصاد وفي المجال الثقافي. وبعد أكثر من خمسة عقود على حصول المغرب على استقلاله، قد تفسر هذه العقدة بتأثير الاستعمار الجديد على النخب المغربية التي تكوَّن معظمـُها في المدارس والجامعات الفرنسية، ولا ترى إشكالا في استعمال اللغة الفرنسية، ولا تحاول أن تغير هذا الوضع لأن أذهاننا هي التي استعمرت.
وحسب هذه النخب نفسها، فإن الوضع الاقتصادي هو الذي يفرض علينا استعمال اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية، ويحتم علينا أن نكون «براغماتيين». لكن، حتى إذا تبنينا منطق النجاعة الاقتصادية في هذا الموضوع فسوف نرى أن هذا الوضع اللغوي عامل من عوامل التبعية التي تعيق الإقلاع الاقتصادي الوطني. وإذا أردنا، بالفعل، أن نجعل من اللغة وسيلة من وسائل كسب رهان اندماج المغرب في الاقتصاد العالمي، فسوف نشجع تدريس اللغة الإنجليزية واستعمالها في المجال الاقتصادي كي نضاعف حجم المبادلات الاقتصادية مع البلدان الأجنبية غير العربية ونجلب المستثمرين من العالم بأسره، لأن الإنجليزية هي لغة العولمة والانفتاح، لا اللغة الفرنسية؛ كما يبين الترتيب العالمي للغات حسب عدد الناطقين بها أن العربية تتبوأ المرتبة الرابعة عالميا في حين لم تحصل اللغة الفرنسية إلا على المرتبة الرابعة عشرة.
والغريب في الأمر هو أن عدم التحكم في اللغة الفرنسية أصبح عائقا يقصي المغاربة، وبالخصوص منهم الشباب، من مناصب الشغل في القطاع الخاص، حيث يستحيل على خريج التعليم العالي أن يحصل على عمل في شركة إذا كان يتكلم اللغة العربية فقط، كما يستحيل على إطار الإدارة العمومية أن يتقلد منصب مسؤولية إذا كان لا يتقن اللغة الفرنسية. وفي البلدان الديمقراطية، يستحيل أن يتم إقصاء المواطنين من مناصب الشغل بسبب عدم تحكمهم في لغة ليس لها أي وجود دستوري أو قانوني؛ لكن في نظام غير ديمقراطي كالمغرب، لا يمكن للمواطنين أن يرفعوا دعاوى قضائية ضد الإدارات العمومية وشركات القطاع الخاص التي تجبرهم على استعمال اللغة الفرنسية.
ولو كان المتحكمون في النظام السياسي المغربي منسجمين مع أنفسهم لقرروا دسترة اللغة الفرنسية، لكنهم لن يفعلوا ذلك تخوفا من ردود فعل فئات واسعة من الشعب المغربي ومن خطر فقدان المشروعية التي تعطيها اللغة العربية. والمفارقة هي أن اللغة الفرنسية، التي لا شرعية لها في مجتمعنا، تشكل رأسمالا رمزيا وثقافيا يسمح لجزءٍ كبيرٍ من النخب بأن يحافظ على مصالحه المادية في مجتمع لم يتحرر قط من مظاهر عدة من مظاهر الاستعمار
الجديد.
ليس المطلوب من المغرب أن يرفض الانفتاح على اللغات والثقافات الأجنبية، بل المطلوب هو أن يكون انفتاحه معقلنا ومتحكما فيه، يغني الذاتين الفردية والجماعية وينميهما عوض أن يستعبدهما أو يدمرهما.



ساحة النقاش