http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

authentication required

المساء = محمد أمزيان

يولاندا.. تبتسم فوق الجسر

العدد :2567 - 30/12/2014

مكانها ثابت فوق الجسر، ترحب بالجميع بابتسامة تملأ تقاسيم وجهها المنكمش. أحيانا، يكون بجوارها شخص مثلها، مرح، لكنه لا يتحدث إلا عند السؤال، تاركا كل الوقت لها لتتكلم.. قد يكون صديقـَها أو زوجَها. أرجح أن يكون رفيقها في محنة الحياة. الأغلبية الساحقة من العابرين لذلك الجسر هم من العاملين في المدينة الإعلامية. في إحدى المرات، نغزتني فكرة أن أراقب ما إذا كان العابرون يهتمون بها مثلي، فرُحت أراقب.. لا أحد تقريبا يلتفت إليها، كأنها مجرد قطعة ديكور نشاز تعوّد عليها المارة، وجودها كعدمه، لا يهم أحدا. أراها كل يوم تقريبا، تمتص سجارتها بشره، وأتساءل مع نفسي: كيف وصلت إلى هذه الحالة؟ فكرت أن أقترب منها أكثر.. حييتها وردت التحية بأحسن منها. في المرة الثانية، مددت إليها قطعة نقود.. شكرتني وأحنت رأسها وجسمها كمن يركع لمن هو أعلى؛ رفعت يديها نحو فمها، قبلت قطعة النقود وتمنت لي يوما سعيدا؛ تمنيت لها ما تمنته لي. زاد اهتمامي بها وتخيلتها في زمن آخر ومكان آخر غير هذا الجسر المعلق فوق طريق مزدحم بالسيارات. شدني الفضول إليها، وصرت كل يوم قبل أن أنزل من القطار ذاهبا إلى عملي، أتساءل: يا ترى، هل أراها اليوم على الجسر؟ لم أصب بالخيبة إلا مرات قليلة، كما هو الحال هذه الأيام مع اقتراب أعياد الميلاد.. كم تمنيت أن أراها قبل أن أذهب في إجازتي لنهاية السنة.

في إحدى المرات كنت عائدا إلى بيتي، رمقتني من بعيد وظلت تركز نظراتها علي. وعندما كنت في مرمى صوتها قالت بصوت مبحوح:

- هل تعرف نظرية بيتاغور؟

- ... !!

لم أجد ما أجيبها به. في الحقيقة، لم أفهم سؤالها جيدا. رفعت صوتها إلى مستوى أعلى:

- بيتاغور، ألا تعرفه؟

فاجأتني بسؤالها الذي نزل علي كالماء البارد، وسرَّعت الخطى حتى لا يفوتني القطار. فكرت في سؤالها كثيرا. عدت إلى الموسوعة الحرة وقرأت شيئا عن بيتاغور ونظريته، فرجعت بذاكرتي إلى أيام دراسة الرياضيات على يد أستاذ فرنسي في مدينتي. كان في سن التقاعد، يهتم بجسمه الرياضي، ولا يهتم بالرياضيات أبدا، وخاصة تلك المربعات والمتوازيات وما شابه ذلك من مصطلحات كان تلقينها يتم باللغة الفرنسية.

مر أسبوع على هذه الواقعة. صعدت السلم، وكانت هناك في ركنها المعهود. كان معي زميل سوري.. خاطبتنا دون أن تفارقها الابتسامة:

- مغربيان على ظهر حمار، قالت بصوت مسموع.

- أنا لست مغربيا، قال زميلي السوري.

- أنا لا أقصدكما أنتما، أنا أقصد الحمار!

بصراحة بهتت. التفتت ورائي، فلربما كان هناك حمار يمشي خلفنا. لكن كيف للحمار أن يتسلق السلم؟ حكيت القصة لزميل سوداني فضحك، ونبهني إلى أن نظرية بيتاغور هي نفسها «نظرية الحمار». زاد اهتمامي بهذه السيدة الغريبة، والتي اتخذت من الجسر مقرا لها. قررت أنْ أستفسر منها أكثر.. أنْ أتعرف على حياتها. في آخر مرة رأيتها فيها قبل أن تختفي، ناولتها قطعتي نقود وقلت لها: «حاولي أن تدفعي بهما ثمن شربة ساخنة». كانت ترتعد من شدة البرد فوق الجسر. رفيقها الذي كان بجانبها، أخذ منها الكلام. كان يريد بلا شك أن يجاملني:

- هذه صلاة. نطق كلمة «صلاة» بالعربية.

- لا، هي صدقة، ونطقت كلمة «صدقة» بالعربية.

زاد فضولي.

- أين تعلمت العربية؟

- مع صهري. ابنتي اقترنت بمغربي، وأنا تعايشت طويلا مع أسر مغربية كثيرة، ثم...

لم تكمل بقية الجملة.. انحنت لتودعني. يبدو أنها لم تكن ترغب في مواصلة الحديث. ربما كانت تريد أن تقول: «ثم كان ما كان…». هي الآن مجرد مشردة، نكرة فوق جسر معلق. خطوت بعض الخطوات نحو القطار ثم رجعت إليها.. كانت منهمكة في غسل أسنانها بفرشاة:

- هل لي بسؤال؟

بلعت معجون الأسنان بسرعة، ارتجفت قليلا:

- تفضل.

- ما اسمك؟

- يولاندا، اسمي يولاندا..

وشرعت في إملاء اسمها حرفا حرفا، بينما رفيقها بجانبها يقرأ في صحيفة مجانية. وبين حرف وحرف تنطقه يولاندا، يهز رفيقها رأسه موافقا.

- تشرفنا، قلت لها ومضيت إلى بيتي.

يولاندا لا بيت لها، لا عنوان لها تتلقى عبره بطاقات الأعياد وتهاني رأس السنة. يولاندا لها، بلا شك، ذكريات تستمد منها ضحكاتها وابتساماتها التي توزعها على المارين فوق الجسر بكل سخاء.

يولاندا، كل عام وأنت مبتسمة!

 

المصدر: المساء = محمد أمزيان
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 64 مشاهدة
نشرت فى 31 ديسمبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,667