فلاش بريس = المهدي الكًًََراوي
الوزير الربَّاح والمفهوم الجديد للريع
الإمبراطور نابوليون بونابارت، كان ذكيا بما يفوق كل مقاييس الذكاء عند رجالات الدولة والسياسة، وقد حفظ عنه قوله: «أفضل طريقة للالتزام بالوعد هي ألا تعد بشيء على الإطلاق».. لو اعتمد الحزب الحاكم عندنا هذه الحكمة لما واجهته اليوم كل الانتقادات الشعبية الموجهة لوزراء العدالة والتنمية وقيادييه الذين انساقوا وراء سهولة الوعود البراقة واستمالوا بها ثقة الناخبين، قبل أن يتضح اليوم بعدما استهلكوا أزيد من نصف ولايتهم الحكومية دون أن يفوا بوعودهم للشعب أن «الفم كبر من الذراع».
والحقيقة أن الإنسان لا يكلفه شيء للرجوع إلى الأرشيف الشفوي لقيادة الحزب الحاكم كما هو محفوظ بعناية في «يوتوب»، ومن خانته الذاكرة فعليه فقط ولوج الإنترنيت ليراجع مشاهد بنكيران وهو يضرب فوق الطاولات مطالبا مراجعة حفلات البيعة، والرباح وهو يوجه قذائفه نحو اقتصاد الريع وأرباب المقالع، وبوانو الذي كان يتأهب لإسقاط الفساد والاستبداد، وأفتاتي الذي كان يقصف على مدار الساعة الدولة العميقة وحزب التحكم.. لكن كما يقول المغاربة «المنامة طول من الليل»، وحينما وصلوا إلى الحكومة ظهر جليا لإخوان بنكيران أن الفرق كبير جدا بين «الكبالة والرمانة».
اليوم نلمس أننا أمام نسخة جد منقحة من حزب العدالة والتنمية، بل يمكن القول أننا أمام وجه جديد للحزب، وأن التحول الذي طرأ على قيادته لم يقف عند المحيى والملبس والمأكل، بل تعداه إلى أعمق من ذلك بكثير، فحين نسمع الوزير عزيز الرباح يقول في اجتماع بولاية آسفي وبحضور برلمانيين من أصحاب المقالع «اللي بغا يدير حتى ألف مقلع في المغرب الله يعاونو»، فإننا نلمس أن النسخة المنقحة لحزب العدالة والتنمية «مشات بعيد»، وأن التوجه القادم لهذا الحزب سيكون مليئا بالمفاجآت، ومن يدري قد يصير شعار الحزب في الانتخابات القادمة هو «مقلع لكل مواطن».
فالعدالة والتنمية وحكايته مع الفساد تشبه كثيرا ذلك الشخص الذي أمضى كل شبابه «غير كايتحيلف على بنادم»، ولما وصل إلى المواجهة الحقيقية وجها لوجه مع العدو، قال له «لا تديش عليا»، والمؤكد اليوم أن بنكيران عليه من الآن فصاعدا أن يتفرغ للبحث عن شعارات جديدة يدخل بها الانتخابات القادمة، لأن شعار محاربة الفساد والريع «قضى به الغرض»، وعليه من الآن أن يقول «الله يخلف»، بعدما أصبح الرباح يقول بأن مقالع الأحجار «بحالها بحال الفلاحة»، وبعدما أصبحت مهمة برلمانيي الحزب الحاكم هي توجيه أسئلتهم البرلمانية لوزير الداخلية كي يفك أسر رخصة استغلال مقلع في اسم والد كاتب فرع المعاشات لحزب بنكيران بإقليم آسفي.
الآن وبعد قرابة 3 سنوات في الحكومة قلب حزب العدالة والتنمية جميع التكهنات التي كانت ترجح أنه لن ينجح في المهمة، وقد تبين اليوم بالملموس أن إخوان بنكيران «واتاتهم السلطة»، وحتى القيادي السابق في الشبيبة الاتحادية محمد حفيظ الذي اشتهر برفضه مقعدا برلمانيا مزورا أيام اليوسفي والبصري، خرج بالنتيجة نفسها عندما قال بأن «ما قدمه حزب العدالة والتنمية للنظام أكثر بكثير مما كان سيقدمه حزب الأصالة والمعاصرة»، يعني باختصار أن بنكيران وإخوانه يلعنون الدولة العميقة في وجوهنا، ويقبلون رأسها خلف ظهورنا، وهذا ما لم يكن عندنا في الحسبان.
اليوم حين يربط الرباح حصول كبار المقاولات على الصفقات العمومية الضخمة للأوراش الكبرى بحصولهم أوتوماتيكيا على مقالع، فهذا هو التنزيل الحقيقي لاقتصاد الريع، وحين يقوم الرباح بمراجعة جذرية لمواقفه ومواقف حزبه بهذه الطريقة، في وقت يرفع فيه ملك البلاد السؤال عاليا عن إنتاج الثروة وتقسيمها ووصولها إلى الفئات المعوزة، يحق للمرء أن يتساءل عما يدافع الرباح ومن معه؟ هل على التوزيع العادل للثروة أم على التوزيع الخاص للريع؟.



ساحة النقاش