المساء = محمد أمزيان
متى كانت المناصب للوجاهة؟
العدد :2561 - 23/12/2014
عندنا، الوزراء لا يستقيلون؛ يقالون وكفى.
ظننا أن الوزير أوزين يتوفر على قدر من الشجاعة الأدبية، يتوكأ عليه، ليعلن أمام المغاربة أنه يتحمل المسؤولية كاملة.. مجرد ظن. على العكس، انكمش في جلده وترك المغرب يُهان. كل القنوات الرياضية، بدون استثناء، نقلت إلى مشاهديها عبر العالم، «الشوهة» التي مرغت جباه المغاربة في الوحل. لو كانت للوزير، باعتباره المسؤول الأول عن الفضيحة، ذرة غيرة على سمعة بلاده لتقدم، بكل روح رياضية، باستقالته بدل أن يصيح: خُدعت!
السيد الوزير وعد بالبحث في أدراج وزارته عمن خدعه ونسي نفسه.. أليس هو الوزير؟ أليس هو من يتحمل المسؤولية النهائية في وزارته حتى لو افترضنا جدلا أن موظفا معينا أخطأ أو خان الأمانة؟ لو مر كل شيء بسلام لحفـَّظ كل الإنجازات باسمه الشخصي كما يـُحفـَّظ العقار في السجل؛ أما وأن الأمر يتعلق بفضيحة، فها هو يبحث عن «كبش فداء». قمة الجبن أن ترمى مسؤولية الفشل في التدبير على عاتق من هو أدنى مرتبة، كأن يكون مستشارا مقربا أو موظفا شبحا حتى، فهذا ينم عن عقلية تدميرية؛ فمتى كانت المناصب للوجاهة والمباهاة فحسب؟ المناصب هي قبل كل شيء مسؤولية، من لم يكن في مستوى تحملها فليفسح المجال لمن هو أجدر بها.
قبل أوزين، كان على الوزير الرباح أن يستقيل استقالة الشرف بعد أن غرق ثلث المغرب في الوحل، وانهارت قناطر، وجرفت طرق صرفت عليها أموال الناس بلا طائل. صحيح أن الحكومة لا تتحكم في مسار السحاب ولا في مقدار ما ينزل من مطر، لكنها «تضرب» الحساب، كما يقال، لمثل هذه المفاجآت وترسم الخطط على ضوء سيناريوهات محتملة. السيد الرباح ألقى مسؤولية ما حدث على عاتق الحكومات السابقة، كما يُلقى حجر في حفرة سحيقة؛ نبيل بنعبد الله تنهار العمارات أمامه ولا يحرك ساكنا وكأن الضحايا من كوكب البطيخ؛ وزير العدل ينفي التعذيب في السجون، وأهالي ضحايا التعذيب يكسرون الصمت بالصوت والصورة؛ الوزير الأول يقود حكومة لا رأس لها ولا جسد.. ولا حياة لمن تنادي.
الواقع المرّ أننا أمام وضع شاذ وغريب. المواطن والحاكم على طرفي نقيض، والفجوة بينهما تزداد بسرعة الضوء ولا يمكن ردمها بالوعود والأكاذيب و»لجان تحقيق» لا تحقق في شيء. من يستهين بقوة المظلوم والمهان لم يستوعب حركيّة التاريخ بعد. لقد تغير الزمن الذي كان فيه المواطن المغربي يولد أخرسَ، ينشأ أعمى ويموت أصمَّ. المواطن الآن يرى، يسمع ويتكلم. يناديكم، يخاطب ضمائركم إن كان مايزال فيها نبض من حياة. لا تتركوه يعاديكم بعدما كرهكم، فحينما يطوي مواطن مقهور أميالا مشيا على الأقدام ليعبر الحدود نحو دولة مجاورة أملا في ذرة كرامة، وحينما تبكي فتاة أخاها المقتول تحت التعذيب بحرقة تدمي الحجر، وتصرخ أخرى وهي ترثي حال عزيز عليها يحتضر في مستشفى، وحينما يرفع مواطن يائس علم إسرائيل فوق سطح بيته، فاعلم أن المرض داهم، إن لم تتم معالجته بروح المسؤولية فإنه سيهد الجسم كله.
المغرب لا يعدم كفاءات وضمائر حية، إلا أن يدا ما تدفع بها بإصرار أعمى وغبي إلى مجاهل اليأس. المغاربة متضامنون بطبعهم، يحبون وطنهم، مستعدون للتضحية في سبيله دون مقابل، وقد برهنوا على ذلك عبر التاريخ، لكنهم يستغربون غيابَ هذه القيم النبيلة عن «نخبتهم» السياسية.
ليس المسؤول الناجح من يمسح خطاياه في من هو أدنى منه مرتبة، وإنما هو ذمك الذي يعترف بخطئه أن أخطأ. المسؤول الناجح هو من يحيط نفسه بذوي الكفاءة والغيرة، الذين يكون همهم تقديم أفضل ما عندهم، ولا يعتمدون على شلة من المنافقين والمصفقين، قناصي فرص الاغتناء السريع؛ المسؤول الناجح هو من يضع المصلحة العامة نصب عينيه، ولا يقرن المسؤولية بالولاء والتبعية؛ المسؤول الناجح هو، قبل كل شيء، صاحب ضمير حي، وإن مات الضمير فعزاؤنا واحد.



ساحة النقاش