فلاش بريس - المصطفى مورادي
لا أخ لك يا أخي
(إلى روح الأستاذ جمال خلاف رحمه الله)
"الحياة لا تنتهي بالموت الطبيعي بل تبدأ به" -
فيورباخ
رحل عنا قبل أسبوعين الأستاذ جمال خلاف، الرجل الجميل والقلق والمجتهد والبيداغوجي والوطني حتى النخاع، رجل اشتغل في مناصب مركزية مؤثرة، كما اشتغل في المجلس الأعلى للتعليم، وتحديدا على رأس الهيأة الوطنية للتقويم، في عهد مزيان بلفقيه، فضلا عن عمله الجبار في بعض لجان ومشاريع البرنامج الاستعجالي، وكل الذين اشتغلوا إلى جانبه، أو تحت إمرته، عرفوا في الرجل غيرته على منظومة التربية والتكوين بهذا البلد، فعندما كانت الحكومات المتعاقبة تفتش عن مفاتيح لفك ألغاز منظومة تربوية تاهت بها السُّبُل، كان الرجل مجتهدا ومُبدعا ومُقْنعا، وكان لا يتردد في أن يعبر عن رأيه في الملفات التي كانت تعرض عليه بتجرد ونزاهة أمام المسؤولين، إذ في الوقت الذي كان فيه بعض «زملائه» يتقنون فقط قول «نعم»، وينبطحون طمعا في فتات التعويضات وريع الصلاحيات، كان هو يقول «لا» إذا لزم الأمر، وهاهم الآن غير قادرين، بسبب الطبيعة التي اكتسبوها في دواليب الوزارة، على اقتراح كتابة تعزية رسمية، موقعة من الوزير أو من الكاتب العام للوزارة. ونفس الأمر في المجلس الأعلى، فبالرغم من أن الرجل كان هناك لسنوات، وآثار عمله ماتزال موجودة إلى الآن، فإن «أصحاب المكان» تجاهلوا عطاءاته، وقرروا أن يكون جمال خلاف مجرد حديث عابر في مكالمة هاتفية أو في أنخاب منتصف الليل، ولم ينتبهوا جميعا، أنهم بهذا قد سنوا سلوكا سيكونون هم أيضا ضحيته، عندما سيقضي الله بأعمارهم أمرا كان مفعولا.
إذن؛ انتظرنا أسبوعين كاملين، لعل وعسى ينتبه أو يتذكر سدنة المنظومة، في الوزارة والمجلس الأعلى، بعض ما قدمه هذا الرجل لصالح تعليم هذا البلد، ويصدروا تعزية رسمية رمزية للرجل وأسرته وأصدقائه، لكن النكران والجحود والتجاهل واللؤم كانوا أسياد الموقف في كلا «المقبرتين الجماعيتين» في باب الرواح وحي الرياض، فباستثناء بضع كلمات نشرها بعض أصدقائه في بعض الجرائد الوطنية، فإن هذه الكتل اللحمية الفاقدة لكل آدمية، والتي تشتغل كالآلات في الماكينات الوزارية المركزية، عجزت عن أن تتحلى بالقليل من فضيلة الاعتراف، وتقرأ الفاتحة على قبره أو في افتتاح نشاط رسمي، أو مجرد نشر خبر عن رحيله في الموقع الإلكتروني المتخلف الذي «تقترف» فيه الوزارة بلاغاتها.
الأستاذ جمال خلاف استعجل الغياب، سرقه الموت ليكون الغياب وحده دليلا وشاهدا على وطنيته. لكنه لم يرحل بل نام ليستيقظ، بلغة الشيخ الأكبر، فهذا الرجل ينتمي لجيل تفتقت رياحينه قبل ثلاثين سنة ونيف، عندما كان الزمان المغربي أكثر جموحا من الآن، فصاح بصوته «لا غد في الأمس.. فلنتقدم»، لذلك لم يركن لثقافة الغنيمة التي سيطرت على أغلب مسؤولي الوزارة، بل دفع بتكوينه الأكاديمي وتجربته التدبيرية الكبيرة إلى طرق أبواب الأسئلة الصعبة والشاقة والشقية أيضا، ولسان حاله يقول: مادامت نكسات تعليمنا مفرد بصيغة الجمع، فإنه مقدر علينا أن نجعل غدنا التعليمي والتربوي أفقا ورؤيا.
جمال خلاف بين يدي ربه الآن، ولا تعنيه كل كلمة نفاق نطق بها بعض زملائه من المسؤولين خلف أبواب مكاتبهم المغلقة، تماما كما لا يعنيه تخاذل «الزملاء» وتهافتهم على دنيا تركها وراءه دون استئذان، لأنه الآن في مقام يجاور فيه الرحمان، لكن كان سيهمه أكثر أن يرى بعض بقايا الإنسان، في هذه المقابر الجماعية المسماة مديريات وإدارات مركزية، وكان سيهمه أكثر أن يرى المدرسة التي فكر فيها وبها ولها وهي تجد طريقها نحو النجاح.
وبعد أيام، قد تكثر أو تقل، سيبدؤون تباعا في الرحيل تاركين وراءهم مكاتبهم التي أفنوا كل كرامتهم من أجل الجلوس فيها، وحساباتهم البنكية التي فقدوا كل مياه وجوههم لملئها. ولن يذكرهم بالطبع أحد، اللهم إلا من نادلات الحانات التي كانوا يغدقون عليهن بما كسبوه من تملق الشتاء والصيف، لأنهم ببساطة لم يقوموا بأية خطوة ليحيوا الإنسان في هذه المقابر، التي عمروا فيها طويلا قبل أن يموتوا موتتهم الطبيعية.



ساحة النقاش