http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

فلاش بريس - المصطفى مورادي

الفساد.. بنية وثقافة

الفساد بنية مُقوِّمة للأنظمة غير الديمقراطية، فحيث يوجد الاستبداد يوجد الفساد، وحيث يوجد الفساد توجد جميع مظاهر التخلف، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وقيميا. وبين مفكرو الفلسفة السياسية الحديثة على اختلاف جنسياتهم، هذه العلاقة السببية بين المنظومتين، فكما أن النظام الديمقراطي لا يتم استيراده أو شراؤه جاهزا من سوق ممتازة، إذ هو عملية متواصلة من التصحيح والتعديل، فكذلك الأمر بالنسبة للنزاهة والشفافية، إذ لا يوجد مجتمع شفاف بشكل كامل.. فعمليات تخليق  الحياة العامة ومَأسَسَة قيم الشفافية فيها لا تزال قيد التعديل المتواصل، وهو مشروع لم ينته بعد حتى في الدول الأكثر ديمقراطية..
في تاريخ المغرب الحديث، استطاع الفساد أن يتحول ليس فقط إلى بنية منظمة ومحكمة الإغلاق، بل إلى ثقافة مستحكمة في كل القطاعات، بحيث أعطت للمفسدين إمكانات هائلة لتبرير فسادهم تارة والتغطية عليه تارة أخرى، عبر تسخير مؤسسات وسيطة مع الرأي العام، ليتحول هذا الأخير من رقيب إلى زبون لمنظومة الفساد، فأضحينا نرى ونسمع مغاربة يفتخرون بقدراتهم على انتهاك القانون، لكونهم «محميين» لأسماء معينة، وآخرين يفتخرون بكونهم حصلوا على صفقة ما أو وثيقة ما أو منصب ما أو ترقية، لكونهم دفعوا رشوة «ضمنت لهم» ذلك، مع أن القانون يعطيهم الحق في الحصول عليها دون رشوة، أو لجؤوا إلى وساطات من نوع معين
..
فالمغربي اليوم، وفي ظل ثقافة الفساد، أضحت له قابلية لأن يكون زبونا للمفسدين قلبا وضدهم قالبا، فنتعجب كيف لبعض المعطلين مثلا، والذين بحّت حناجرهم في رفع الشعارات ضد الفساد، لجؤوا إلى الوساطات والرشاوى لتعيينهم في قطاعات معينة دون أخرى. فعندما نقول إن الفساد أضحى بنية وثقافة، فإن اتهام جهة دون أخرى لا يعدو أن يكون محض انتقام، إذ ما يوجد حاليا هو أن بنية الدولة أضحت  على مستوى أغلب الإدارات مُسَيرة من طرف أشخاص جاؤوا لأنهم زبناء للفساد، فساد جهوي أو طبقي أو حزبي أو عرقي، وأضحوا هم أيضا من الساهرين على دوامه.. فنجد إدارات معينة مركزيا وجهويا وإقليميا، تطغى عليها جهة ما أو عرق ما أو طبقة ما أو حزب ما.. وهذا يكون أحيانا تحت إشراف أو علم المسؤول السياسي عن القطاع.. أي الوزير
.
وجه بارز آخر لتعاطي الدولة المغربية مع الفساد، هو أن كل الحملات التي شهدها المغرب الحديث ضد الفساد كانت ذات طابع موسمي، وعلى شكل حملة ظاهرها الإعلامي أهم من باطنها القانوني، ثم ذات طابع انتقامي، حتى عندما تكون صكوك الاتهام واضحة ومعقولة بالنسبة للرأي العام، مثل انتقام طبقة سياسية من أخرى، أو انتقام فئة اقتصادية من أخرى، وما يعطيها هاتين الصبغتين: الموسمية والانتقامية، هو كونها معزولة عن دمقرطة الحياة العامة، كما تمت الإشارة في البداية
.
اليوم، ظهرت مع هذه الحكومة إشارات غير مسبوقة في اتجاه محاربة الفساد، عبر محاكمة مجموعة من شبكات الفساد المنظم، ولكي لا يتكرر سيناريو الحملات السابقة، يجب أن تتحول عملية مناهضة الفساد والضرب بقوة القانون على أيدي المفسدين.. يجب أن تتحول إلى سلوك مؤسساتي وشعبي مستمر، ثم يجب ألا تتحول هذه الحملة إلى عملية انتقام توظفها جهة ضد أخرى، وهاتان التوصيتان لا تتحققان دون تعزيز استقلال القضاء، ودون ترسيخ دمقرطة حقيقية للحياة السياسية.. فالدولة الديمقراطية والتي تركز على مبدأ المواطنة، هي الدولة التي تستطيع أن تعيش بعمر أطول بخطوات واثقة وبمستقبل واضح ومعلوم يضمن للجميع الحقوق والواجبات، من خلال حوارها مع المجتمع بأطر قانونية وعلى أسس ترسيخ علاقة العيش المشترك ورفع نمط العلاقة بين الأفراد إلى مستوى المواطنة، بعيدا عن التأثيرات الجهوية والعائلية والفئوية
.
إن هناك علاقة حميمة وحتمية بين التدخلات الحزبية والفساد الإداري والمالي، وهذا هو التحدي الأول لهذه الحكومة المسيسة في غالبية حقائبها، فهذه التدخلات هي ما أعطب مؤسسات الدولة المغربية وأساء إلى عملها لعقود. وبالتالي فالتخلص من هذا الداء هو الحاجة إلى آليات وخطط واسعة وبرامج وندوات ومؤتمرات مكثفة، ومكاشفة ومصارحة مع كل الأطراف التي تساهم في بناء المجتمع، المعنية بالعيش المشترك، من جمعيات ومؤسسات حكومية وغير حكومية ونخب مثقفة، من كتاب وإعلاميين وأكاديميين، لنبذ مظاهر الفساد.. فالمجتمع المغربي اليوم أمام تحدّ مصيري وحقيقي لبلورة إجماع وطني يهدم هوة النزاع والفرقة بين أبناء المجتمع متعدد الجهات والثقافات والأعراق والأحزاب، واللجوء إلى تأسيس دولة القانون والمؤسسات
.

 

 

المصدر: فلاش بريس - المصطفى مورادي
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 34 مشاهدة
نشرت فى 20 ديسمبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,715