فلاش بريس = محمد الأشهب
توقيعات ليست على بياض
وجه الإنسان لا يشبه قفاه، بخاصة إذا كان يعتزم الهروب من شرك نصبه لنفسه، أو نصب له في غفلة. لذلك انتبه العسكري أحمد الدليمي، ولم يكن صدره موشحا برتبة جنرال، ولا بقيادة المنطقة الجنوبية، إلى أنه رغب في التوقيع على وثيقة إجراءات بقفاه، فإذا بوجهه بكل تقاسيمه، يحضر عند تدوين معلومات حول شخصه، لدى الإقامة في فندق في عاصمة أجنبية.
الحكاية ليست مسلية ولم تسجل في وقائع متداولة، لكن حذر رجال الاستخبارات يبدأ من أشياء اعتيادية وبسيطة وعفوية. ربما كان التعود على التوقيع من المسائل التي يتم السهو عنها، إلا في قصص الأفلام التي تتحدث عن القوة الخارقة للعميل الذي يخفي المسدس تحت سترته، ويستخرجه بخفة السحرة الذين يجلبون الحمائم من القبعات. غير أن الموقف لا يزيد عن توقيع رواد الإقامة في الفنادق.
ليس مثله من تستغفله اللحظة، وقد ظل قيد حياته يفاخر بأنه تلقى تداريب استخباراتية مذهلة على أعتى الأجهزة الأجنبية التي لها باع طويل في التنكر والنكران. وبعض الذين عايشوه يعرفون أنه كان مغرما بألعاب بهلوانية تمتع جلساءه إلى المائدة، وتدفع آخرين إلى ابتلاع ريقهم مخافة أن يثور ويغضب حيال أدنى إشارة قد لا تروق حامل السلاح الذي تسرع يده إلى الزناد. وروى بنفسه قصة التوقيع الذي كاد يفضح صاحبه، رغم كل الحذر والاحتراز. فما كان منه إلا أن عدل في وقفته أمام موظف الاستقبالات، وطلب بطاقة معلومات جديدة سجل عليها اسمه وعنوانه وأعداد ليالي المبيت، كما كان يأمل، ثم وقع في ذيل الورقة واستلم مفتاح غرفة، لم ينم فيها غير نصف ليلة.
لماذا فعل ذلك؟ تلك حكاية أخرى. فالتنكر من سمات تحركات رجال الاستخبارات في بلدانهم، أو عند الزيارات الخارجية التي تكون سرية في الغالب. ولو أن الدليمي بعد تمكنه من مفاتيح أزرار العلاقات، صار يتحرك باسمه المعروف وبتوقيعه المتداول كذلك. بعد أن كان يتخذ أقصى درجات التحوط، كلما هم بتوقيع وثيقة أو ورقة إدارية لا تزيد أحيانا عن الموافقة على عطلة الموظفين.
حين يوقع شخص على وثيقة في الإدارة وأصناف المعاملات، يكون بصم بأصابعه العشرة على التزام محدد. فبعض المسؤولين لا يملكون توقيعا واحدا، بل حزمة خربشات تتعدد وتتلون، وفق قرارات التوقيع الذي يفوض إداريا ولا يكون في حالات أخرى، على رغم أن المعاملات الإدارية والتجارية سهلت وسائل إثبات صحة التوقيعات. ويقال بهذا الصدد إن «السلطان الدمية» محمد بن عرفة وقع على ظهير يسمح باستخدام قنينات الغاز كبنزين للسيارات، لكن أصحاب العربات القليلة آنذاك لم يذعنوا للقرار، خوفا من انفجار آلياتهم المتحركة. أما توقيع التنازل عن العرش فقد كان بقلمه وعقله حين أدرك نهاية وهم السلطة.
عرفت مسؤولين يوقعون في أي مكان، خارج المكاتب، في الفنادق أو ملاعب كرة القدم ومسالك الغولف، وأثناء حفلات الاستقبال والعقيقة والزفاف. لكن توقيعاتهم تكون في الغالب موجهة إلى من يعنيهم تسلم الوثائق. فبعض الكتاب العامين ورؤساء ومديري الدواوين يعرفون كيف يفكون ألغاز توقيعات الوزراء، إن كانت تعني تسهيل المهمة أو إرجاءها إلى حين، أو غض الطرف عنها نهائيا. غير أن المهرولين وراء حيازة التوقيعات التي تكون بهدف الحصول على أذونات نقل أو إكراميات أو تشغيل الأبناء، تعلموا فن ملاحقة المسؤولين المتنفذين.
وشاهدت عجوزا يلوح بورقة من وراء سور واطئ يسيج ملعبا للغولف، وحين أبصر الوزير المعني قفز بخفة متناهية أعادته إلى سنوات الصبا ليسلمه طلب حيازة أذونة نقل سيارة أجرة. فيما أن سيدة طوقت الوزير صاحب التوقيع في ممر يقود إلى بهو الفندق، وعندما لم يجد وسيلة يضع عليها الورقة طلب إلى أحد مرافقيه الانحناء، ووقع الورقة السحرية على ظهره. ورغب شخص في اقتداء أسلوبها، لكنه فوجئ بأن التوقيع الذي تصور أنه سيفتح أمامه معابر الكسب لم يكن حقيقيا، واستمر في ملاحقة الوزير، من أجل معاودة تصحيح توقيعه، بدون جدوى.
التوقيع يرفع الحرج، وبعض المسؤولين حين يريدون نفض أياديهم من التزامات محددة، يعهدون إلى لجنة تتشكل عنها لجينات تتفرع عنها بدورها اجتماعات، وإذ يدرك المجتمعون أن إجازة مشروع يتطلب توقيعاتهم كاملة، يمضون الوقت في محاولات إرضاء بعضهم بعضا، قد ينجحون وقد يفشلون، والعبرة بما تؤول إليه خواتم الأشياء.
غير أن المشرع في أمور تدبير عادية، عمد إلى تنويع شركاء التوقيعات، من ذلك أن فتح مطعم أو بقالة أو جزارة أو محلبة يتطلب ما لا يحصى من التوقيعات التي تشمل الوقاية المدنية والرقابة الصحية وموافقة مهندس البلدية إلى غيرها من الإجراءات. لكن هذا التنوع الذي يفرض الحرص على السلامة، يصبح أحيانا مدعاة لهدر الوقت والجهد وبعض أنواع استغلال النفوذ، إلا من رحم ربك من ذوي الإرادة الحسنة والطوية النزيهة.
ليس أقوى أثرا وتأثيرا من سلطة التوقيع، واسألوا المتنافسين في ميدان الصفقات والعروض. لكن في هذه الحالات تكون التوقيعات سليمة وموثقة. والشاطر من لا يضع اسمه على غير ما تسمح به الاختصاصات القانونية والإدارية وفرضية الضمير الأخلاقي. ولعله لهذا السبب كانت وصفة التوقيعات المصادق عليها، كونها لا تحتمل غير توقيع واحد للفرد الواحد، ويبقى أن سلامة التوقيعات لا تعني بالضرورة سلامة كل ما يترتب عنها من التزامات. وكان الأجداد يكتفون بالنوايا الحسنة، لأنه الأصل في المعاملات. ومن شاء تكريم شخص أو مجموعة، فأجره على الله إن فعل ذلك من ماله الحلال الخاص الذي لا تحوم حوله الشبهات.



ساحة النقاش