فلاش بريس = محمد الأشهب
خيام التضامن تنصب على الشريط الحدودي
خريف علاقات وليس فصولا، ذاك الذي أسقط آخر ما تبقى من أوراق الأشجار المغربية – الجزائرية التي لا تزهر عاما، إلا من أجل أن يضر بها القحط أعواما وعقودا. فيما كانت خطوط الهواتف الجزائرية تستقصي الأسماء والوجوه المغربية للتطويح بها إلى الشريط الحدودي الذي عرف موجة نزوح بالطرد والإكراه، فرقت بين مصاهرات مغربية جزائرية وشتتت العوائل والمشاعر، تحركت خطوط أخرى عبر المدن والأقاليم، تسأل عما تستطيع كل جهة تأمينه من الخيام والمواد الغذائية والأغطية والدواء ومستلزمات الإيواء.
إرادة الشعوب تمتحن في أوقات الشدة، إذ يلوذ الجوار إلى الصلف وسوء المعاملة، أو تفرغ الطبيعة مخزون الغضب من أحشائها، أو يتكامل الخصوم والأعداء في أعمال عدوانية ضد السيادة والعزة والكرامة. وما ثبت أن المغاربة قصروا أمام واجبات التضامن، كل واحد بما يقدر أو يستدين، لكن الدم الذي يتدفق في عروق الانتساب والهوية أغلى لدى الإنسان وأرخص في الدفاع عن حوزة الأوطان.
تبارت المدن والأقاليم في سباق مع الزمن، فالخيام في التقاليد تحيل على كرم الضيافة والوفادة والإيثار. فبالأحرى إذا كانت ستنصب لإيواء مغاربة أعزاء طردتهم السلطات الجزائرية في جنح الظلام. لا بأس إذن فثمة خيام ومساعدات أخرى لم يبخل المغاربة عن اقتطاعها من معاشهم اليومي تضامنا مع الثورة الجزائرية. والبيت المغربي الذي أعوزته الحاجة إلى نكران الذات، تبرع بجلود أضاحي العيد، فيما النساء خلعن أساور الذهب التي قدمت هدايا للثوار الأشقاء. وإن لم يكن الذهب يصلح لجسر مشاعر الأخوة والمودة، فما الفائدة من زينة لا يقتسمها المغاربة مع الأشقاء على الحدود الشرقية.
هي دورة الأرض كما التقلبات في الأمزجة والسلوكات، بالأمس تضامن المغاربة مع الجزائريين، واليوم حان وقت التضامن مع إخوتهم وأبناء عمومتهم المطرودين من الجزائر. أي مفارقة هاته التي تحكم دورة الحياة؟ فقد وجه الجيش الجزائري الأسلحة التي تلقاها هدايا من المغرب إلى صدور أبنائه، واليوم يدفع مواطنوه الذين بنوا اقتصاديات الدولة الشقيقة ضريبة نكران الجميل.
فاقت الخيام أعداد المدن والأقاليم، وزادت محتوياتها عن الحاجة. وغاب عن السلطات الجزائرية أن ترحيل عشرات الآلاف من المواطنين المغاربة دفعة واحدة، إنما يعكس بؤس الفكر ومحدودية الرؤية. ليس لأن الدولة المغربية في إمكانها ومن واجبها أن تستوعبهم في ظروف إنسانية لائقة بالكرامة فقط، ولكن لأن التضامن يرتقي بالمواقف إلى مراتب وعي حضاري متأصل. فالنقمة التي في طيها نعمة غلبت الحسابات الجزائرية الخاطئة، التي كانت ولا تزال تعمل وفق قاعدة إضعاف المغرب بأي ثمن. غير أن التضامن كما الإجماع يهوي على النوايا والأفعال السيئة، أصدرت عن دولة أو أفراد أو مجموعات.
وقتها كنت أعمل محررا صغيرا في جريدة «العلم»، وتوقفت أمام سيل من المكالمات والرسائل التي تسأل عن كيفية الاكتتاب والمساهمة في تأمين أوضاع المغاربة المطرودين قسرا من الجزائر. لم يفتح رقم مصرفي للتبرع، ولم تدع السلطات إلى حملة تضامن، لكن الرأي العام الذي اهتز لهول التصرفات الجزائرية المناقضة لأوفاق الأخوة وحسن الجوار، أبان عن تضامن والتحام تتداعى له العقول والإمكانات والعواطف. وصادف أن الهوة التي كانت قائمة بين المعارضة والنظام، تقلصت مساحتها إلى حد كبير على قياس حماية الأوطان، إذ لا تحتمل أي تناقضات فكرية أو إيديولوجية.
أذكر أني اقترحت على أحد الزملاء تخصيص ركن في الجريدة للإجابة عن تساؤلات المتضامنين من شتى الأرجاء، فأجاب بأن أفعالهم ونواياهم سبقت الإعلام إلى ساحة الميدان. أيقنت بأن المغاربة لا يطرحون أسئلة محيرة حول كيفية التعاطي مع النوازل التي تحل فجأة. فهم يصغون إلى إرشادات الضمير ويتبعون الإشارات التي تصدر عن القلوب. ومرة بعد أخرى كان المقدم عبد الرحمن حجيرة يعرض إلى حفاوة الاستقبال الذي خص به سكان وجدة والمناطق المجاورة إخوانهم المطرودين من الجزائر. وكتب شاعر من وجدة قصيدة موحية حول قابلية المغاربة في التضامن والصمود.
شعر وخيام وأساور، أي شحنات أكثر بلاغة في علم العروض غير القابل للصرف، كلما تعلق الموضوع بحب الوطن وأريحية التضامن؟ لكن ملف قضية التهجير القسري لعشرات الآلاف من المواطنين سجلت كأخطر عملية ترحيل وقرصنة عرفها التاريخ. فلم تكتف السلطات الجزائرية بطرد المغاربة، بل استحوذت على ممتلكاتهم وحساباتهم المصرفية وديونهم المستحقة على الآخرين.
أسف المطرب عبد الهادي بلخياط، وقال لي في جلسة خاصة إنه يتبرع بمستحقاته من حفلات لم يتلق تعويضها، تضامنا مع المغاربة المطرودين. واحتسب الزجال الراحل أحمد الطيب العلج ما لم يصرف لفائدته فلسا بعد الآخر، وأعلن عن تبرعه بالمبلغ. لكن الخيام التي نصبت والإعانات التي جمعت كانت أكبر من الأرقام، لأنها جسدت روح التضامن والإيثار. وها أن أبناء وأحفاد المرحلين المغاربة لازالوا ينتظرون التفاتة من منظمات ترفع لواء الدفاع عن حقوق الإنسان. بما فيها الأمم المتحدة التي سجلت الحادث في خانة الخلافات السياسية، وتجاهلت أن قيمة الإنسان وكرامته أكبر من أي نزاع جيوسياسي، ولم ينضب نبع التضامن المغربي أبدا.



ساحة النقاش