http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

فلاش بريس = محمد الأشهب

هكذا نطق الراحل باها في آخر لقاء

هادئا ومستمعا، عنيدا في صمته ومقترا في كلامه. رأيت الراحل عبد الله باها آخر مرة في مكتب رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران. ولم يفت الإعلامي الكبير جهاد الخازن أن يسأل في ختام مقابلة ودية، عمن يكون الرجل الذي كان يدقق في كلماته، كلما هم بتسجيل ملاحظة أو التعليق على فكرة. قلت له إنه وزير الدولة عبد الله باها. فقال إن المغرب بين أياد أمينة، وإن رئيس الحكومة أحسن الاختيار.
من أيام الوزير الأول الراحل المعطي بوعبيد لم أتوقف كثيرا عند مقر رئاسة الحكومة الذي تغير ساكنوه، ولم يطرأ تغيير جوهري على هندسته التي حافظت على عمرانها التقليدي ومكاتبها الصغيرة المتلاصقة. تذكرت في اللقاء كيف أن بوعبيد كان ينزع سترته ويتحرك بقميص تعلوه ربطة العنق. كان رئيس الحكومة عبد الاله بنكيران يمارس التقليد ذاته. لكن عبد الله باها نبهه بطريقة محتشمة إلى أن تشغيل مكيف الهواء قد ينال من قدرته على التحمل، وإن في مشهد إعلامي عابر
.
ملاحظة غير لافتة، تكشف عن جانب آخر من المسؤوليات التي كان يضطلع بها، لناحية حماية التجربة الحكومية الراهنة من ضربات الشمس أو برودة الطقس. ليس مهما أن تكون صادرة عن الخصوم والمنافسين، بل الأهم أخذ ما يكفي من الاحتياط لعبور المرحلة بأقل قدر من التداعيات. وجلس وزير الدولة إلى جانب رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران على أريكة خالية من أشكال البذخ، كان ذلك إيذانا بأن رئاسة الحكومة لا تختلف عن أي إدارة وجدت لخدمة الناس. انطلاقا من سياسة الإصغاء التي أصبحت فنا في استحالة السياسة إلى أقرب الانشغالات البسيطة للمواطنين
.
  بنكيران هو نفسه، لكن بصوت أقل انفعالا وأكثر تحررا، تحدث بتلقائية في كل القضايا التي طرحت. يتوقف عند التفاصيل التي هي بمثابة توابل المعاني، ويسكب فكره ورأيه على الطاولة. قال إنه نصح الإخوان في مصر، وإن الاستثناء المغربي يعزا إلى خصوصيات تطبع العقل والفعل السياسي في البلاد. لكن جهاد الخازن علق بأن كثيرين نصحوا إسلاميي مصر بعدم الترشح للرئاسيات، فإذا بهم يضاعفونها إلى مترشحين بدل واحد
.
  لا شماتة. يتدخل الراحل عبد الله باها بسلاسة لا يقحم فيها نفسه، ويشد انتباه الحضور والشاهد أنه باختصار مفيد تحدث عن مفهوم الصراع السياسي الذي يحتمل الخصومات، لأنه يتأسس على برامج وأفكار واجتهادات، فيما الإسلام يقفز فوق مثل هذه الحساسيات، كونه ينشد الفضيلة والعدل والمساواة والإخاء والتسامح
.
  منجد طلاب وحكمة وذخيرة سياسية، لا تستخدم إلا في إزالة الغيوم والضباب لدى استحضار تجربة «العدالة والتنمية» مما قبل النشأة إلى احتلال صدارة المشهد السياسي.وعندما عرض رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران إلى مسار حزبه،توقف أمام البدايات.وإذ يستعصي عليه تقديم شهادات عن فترة حماس الشباب،يلتفت إلى باها: هل تذكر كم كانت أعمارنا وأحلامنا وأخطاؤنا أيضا؟ يرد باها بالقول إن الشرعية السياسية تقي من الانزلاق، وإن السياسة تشبه مراحل العمر. ويشدد على الاستخلاص بأن بعض تجارب حكم الإسلاميين أخطأت الطريق حين صورت الدولة هدفا، مع أنها الإطار الذي يتعايش ضمنه الجميع
.
  نصغي بكل اهتمام، وتعود الذاكرة إلى فترة اندفاع «الشبيبة الإسلامية» وبعض زعاماتها، لكن الصورة المغايرة أمامنا تشير إلى تحول نوعي في الأفكار والممارسات. نطرح السؤال: أي دور لعبه باها في التمهيد لهذا التطور الاستثنائي الذي صادف ربيع الأفكار، وابتعد المغاربة عن استخدام الشارع، من دون أن يتفاعلوا مع ما كان يحبل به من نداءات وتطلعات
.
  لكن الرجل الذي لا يحجم أحدا، فكرة أو شخوصا أو تلوينات حزبية، كان يحجم قدراته وراء تواضع العلماء. ينصت حين يتحدث الآخرون،ويقبل على دراسة الملفات بواقعية ونباهة،ثم يجعل من اتخاذ القرار أسلوبا في التدبير.وليس رأيا مفروضا.بهذا المعنى لم يكن«علبة أسرار»بل إناء أفكار تتفاعل،كما في كيمياء الزراعة التي كان مهندسها. إذ تعلم المرء معنى استقراء الأبعاد وتلازم الأضداد وتأثير المناخ. لكن الرجل الذي ترعرع في مناخ الأطلس الصغير، وجد الدفء بين جنبات الكتاتيب القرآنية ثم تدرج على نحو مغاير إلى اقتفاء أثر التجربة العلمية. وعرف في معهد البحث الوطني في الزراعة كمهندس وباحث، قبل الانتقال إلى هندسة السياسة نائبا في البرلمان ورئيس الكتلة النيابية لحزب «العدالة والتنمية»، ثم وزير دولة تتجمع في حقيبته اهتمامات المرحلة الحكومية
.
شكل عبد الله باها النصف الآخر لعقل وانشغالات بنكيران.. فقد كان يمنحه الثقة والشعور بوفاء الرفيق الذي لا يبخل بإضاءة الطريق، حين تدلهم الأجواء. بيد أن حدس اليقظة والحذر يغيب لدى سماع نداء الموت الذي لا يعرف أحد متى ومن أين وكيف يحين صعيقه المفاجئ دوما
.
حين غادرت رئاسة الحكومة علقت بالذهن صور كبار المسؤولين الذين تقلدوا المنصب. فقد أصر الوزير الأول الأسبق عبد الرحمن اليوسفي على أن يسجل الاعتراف بجميل من سبقوه. لكن تلك الصور تخلو من قوائم رجالات الظل الذين عملوا وتواروا إلى الخلف
.
رحم الله الفقيد عبد الله باها. ولا تعرف نفس بأي أرض تموت

 

 

المصدر: فلاش بريس = محمد الأشهب
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 32 مشاهدة
نشرت فى 15 ديسمبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,766