فلاش بريس = محمد الأشهب
دوت مدافع إفطار في زمن الحرب والسلم
سخر عقيد متقاعد في الجيش المغربي من تصريحات قياديين في بوليساريو، هددوا بمعاودة حمل السلاح، وقال: مرحبا بهم في رمضان القادم أو الذي يليه. أذهلني تحديده لموقعة أي نزال في الأشهر الحرم، وروى القصة التالية:
اقتضت ترتيبات عسكرية أن يحتل العقيد والفرق التابعة له أقرب نقطة إلى الحدود الشرقية الجنوبية مع الجزائر. جاء الانتشار على خلفية معركتي أمغالا الأولى والثانية. وحل شهر رمضان الفضيل في أجواء يميزها ارتفاع درجات الحرارة وطول النهار. صدرت أوامر في شكل فتوى بمرجعية دينية تبيح الإفطار لأفراد القوات المرابطة، لأنهم في رحلة جهاد متواصلة للدفاع عن وحدة الوطن، ضد شرور الخصوم المتربصين.
قال العقيد إنه خير الضباط والجنود في قضية تطال علاقة الإنسان بخالقه، وإن كانت اجتهادات الفقهاء والتابعين حسمت في حل ما يجوز استحلاله اضطرارا. غير أن ذلك لم ينزع عن ليالي ونهارات الشهر الفضيل مسحتها الروحية العبقة بالإيمان وتحدي النفس ولجم الغرائز. وأي طقوس تعلو على التقاليد، إذ يشترك الناس جميعا أغنياء وفقراء، مرضى وأصحاء، حول مائدة الإفطار في لحظة واحدة يظللها الخشوع والحمد وأدعية المغفرة والتواب؟
قبل آذان المغرب تسود حالة استنفار بدرجة قصوى. روى العقيد الذي لا زالت عيناه تشعان ببريق المحارب العتيد، الذي يتبع حدس التجربة وعلمانية الخطط العسكرية، أنه كان يدرك أن مقاتلي بوليساريو سيعمدون إلى استغلال لحظة الإفطار لشن هجمات، كانت في غالبيتها ذات أهداف دعائية. فالمباغتة من فنون الحروب منذ اخترعها الإنسان لحماية نفسه من المخاطر، أكانت في صورة إغارة الحيوانات المفترسة أو الإنسان الذي تنبت له الأنياب والأطماع. لكن اختيار التوقيت لا يبتعد كثيرا عن فجوات تعاقب الليل والنهار.
ذات إفطار في ليل الصحراء الذي يبدأ في نشر ظلاله بعد مغيب الشمس، لعله كان يوم فاتح رمضان، أمر العقيد بإطلاق المدافع لإشعار جنوده المنتشرين في أبعد نقطة بموعد الآذان. تناول بضع تمرات وشرب كوب ماء، ثم اعتلى هضبة وأشاح بنظره في الأفق عبر مجهر دقيق. رأى بالعين اللاقطة التي يختزلها المنظار أربع عربات «جيب» مذعورة تلوذ بالفرار إلى شرق المنطقة. ضحك في قرارة نفسه، فقد تصور الرجال الذين كانوا على متن تلك العربات التي تحمل علامات جزائرية، أن مواجهة عسكرية اندلعت، وأنهم باتوا في مرمى المدفعية الثقيلة للقوات المغربية.
عاد لإكمال فطوره بين رجاله، وفي ذهنه أن طلقات مدافع الإفطار أفشلت خطة هجومية لفلول بوليساريو، الذين غاب عنهم أن نداء الإفطار لحظة مقدسة. ومن حاول أن يحجب اللحظة عن تراثها كان مآله الفشل. وحين عاد المهاجمون كما النهر إلى حفره وأحواضه، كان أبطال القوات المسلحة الملكية في انتظارهم، يرحبون بالغزاة عبر حفر المقابر. ومن مثل المغاربة أقاموا مقابر الغزاة على مشارف البحر الذي كانت تأتي منه المخاطر؟ غير أن أكثر الدارسين موضوعية في رصد أنواع المواجهات التي صنعت الصمود المغربي عبر التاريخ، يؤكدون أن أعتى المخاطر كان الشرق مصدرها، وما حرب الصحراء إلا سلسلة مشرقة في دحر العدوان القادم من شرق الحدود.
من سجل إفطارات رمضان، أن الشريط الحدودي بين المغرب والجزائر كان على موعد ذات رمضان، مع القمة الثلاثية التي جمعت الملك الحسن الثاني وخادم الحرمين الشريفين المك فهد بن عبد العزيز، والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد. كان الحدث مبعث تفاؤل ثنائي وإقليمي، ومن أجل ألا يبدو اللقاء في حد ذاته مكسبا لهذا الطرف أو ذاك، وقع الاختيار على الشريط الحدودي المعروف باسم مركز «زوج بغال» أو قرية العقيد لطفي.
في كل القمم التي التأمت أو تلك التي طواها التردد وعدم إنضاج الظروف المواتية، كانت تثار دلالات أمكنة الاستضافة. وكم من مرة جرى التفكير والتخطيط لنقل القمم المغربية – الجزائرية أو المغربية – الليبية إلى عواصم أجنبية، درءا للحساسيات المفرطة. لكن الحدود المغلقة منذ أزيد من عشرين سنة، شهدت ميلاد بوادر انفراج. كما المصالحة الأولى بين الحسن الثاني والشاذلي بن جديد تمت في رحاب الكعبة المكرمة، وتوجت بمصافحة قائدي البلدين، فإن القمة الثلاثية انعقدت في شهر رمضان. أذكر حينها أن أوامر صدرت باستحلال الإفطار، لأن الرحلة وثقت سياسيا وتاريخيا في صنف الرحلات الجهادية. لكن المنازلة مع الخصم لم تكن بالسلاح، لأنه كان يتجسد في التفرقة والتجزئة واستمرار حالة انعدام الثقة.
قال أحد مستشاري الملك وقتذاك إن العدو المشترك الذي يتعين الجهاد ضده، يكمن في الهوة العميقة التي فرقت بين الأشقاء، وإن الجهاد من أجل رأب الصدع وإعادة الدفء إلى محور العلاقات المغربية – الجزائرية، يتم عبر الفكر ورسالة الإعلام ودور الأحزاب والنخب. وإنها لمفارقة تدعو إلى التأمل أن يكون الإفطار في ساحة الحرب في مثل جوازه في بناء السلم، لولا أن الإفطار كان من منطلق جهاد يعتبر بمرتبة فرض عين لا يكتمل إن أخل أحد الأطراف بواجباته.



ساحة النقاش