فلاش بريس = حسن البصري
إضراب عام وإضراب خاص
أجمعت المركزيات النقابية على تمسكها بخوض إضراب وطني عام بعد غد (الأربعاء)، وصف بالإنذاري في وجه الحكومة، رافضة وساطة خير لتأجيل العصيان إلى موعد لاحق. فهي تعول على الإضراب لرد الاعتبار للعمل النقابي الذي حوله البعض إلى ريع اقتصادي.
وعقدت المركزيات الداعية للإضراب، اجتماعات تنسيقية ونظمت ندوات صحفية أكدت فيها أن الإضراب آت لا ريب فيه، وقالت، والعهدة على الزعماء، إنه سيعطل أوصال جميع القطاعات دون استثناء وسيحكم عليها بالشلل الكلي بعد أن كانت في أحسن الحالات تصاب بالشلل النصفي، وإن المغرب سيعيش أربعاء الغضب ضد حكومة تواصل زحفها على مكاسب الشغيلة والعاطلين على حد سواء.
أعترف بأنني لست نقابيا ولا أحمل لون أي تنظيم نقابي، ولا أنتمي إلى أي حزب سياسي، لكنني أتابع سجال الصراع القائم بين الحكومة والنقابات حول الزيادة في سن التقاعد وفي أسعار مواد حيوية وفي رواتب وامتيازات كبار المسؤولين، وبين الفينة والأخرى تطال الزيادة عقارب الساعة، ثم تعود إلى حالها بعد شهور.
لكنني أشفق على القيادات النقابية حين تتحدث عن إضراب عام في جميع القطاعات، وهي تعلم أن الإضراب يستثني عن قصد أو عن غير قصد قطاعا رياضيا تقتات منه آلاف الأسر المغربية، لأن الرياضي معفى من العمل النقابي دون أن يجد أحد مبررا لهذا الاستثناء.
يوظف هذا القطاع آلاف العاملين، بدءا من أعوان الملاعب وصولا إلى المدربين، لكن لا أحد يملك الجرأة للانضمام إلى تنظيم نقابي، وكأنه نشاط محظور، فالنقابة الوحيدة المعمول بها في مجال الكرة هي نقابة الملعب التي تكرس التكتلات وتدعم سياسة الأحلاف، أصوات الغضب تخرج من المدرجات لا من المستودعات.
كان فريق الرجاء البيضاوي مرتبطا وجدانيا بالاتحاد المغربي للشغل، وترجع علاقة هذا النادي بالتنظيم النقابي إلى وجود مؤسسين نقابيين جعلوا الكرة في خدمة النقابة والعكس صحيح، بل إن لاعبي الرجاء تنقلوا مرارا على متن حافلة «إي إم تي»، وعقدوا اجتماعاتهم في مقرات «السانديكا» حتى تشبعوا بروح النقابة، وأصبح كثير من لاعبي الرجاء موظفين أشباحا تارة وفاعلين تارة أخرى في قلاع التنظيم كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمكتب الوطني للكهرباء.
أما الاتحاد البيضاوي فارتبط بالمركزية النقابية لحزب الاستقلال وبأسرة عبد الرزاق أفيلال، الذي جعل «الطاس» ملحقة للاتحاد العام للشغالين، فاختلطت في المدرجات الهتافات النقابية بالرياضية، ووزع أفيلال إشارة النصر كلما حل بالملعب وعلى شرفه رددت المدرجات أهازيج «الاتحاد لنا لا لغيرنا»، إلى أن اضطر مكرها إلى النزول من كرسي النقابة ليعتلي كرسيا متحركا بعد أن داهم المرض عبد الرزاق والفريق ورمى بهما في غرفة العناية المركزة. حين أنشأ مصطفى الحداوي، اللاعب الدولي السابق، نقابة للاعبين المحترفين، اعتقد الكثير من المتتبعين أن زواج النقابة والكرة سينجب وعيا جديدا بالحقوق والواجبات، لكن اللاعبين أحجموا عن تسديد واجب الانخراط السنوي وتضامنوا بأكل الموز مع ضحايا عنصرية الكرة، وحين يتعرضون للطرد التعسفي يحولون غرفة المنازعات إلى حائط مبكى، ويرددون «ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا».
يؤمن اللاعبون الذي يملكون حسا نقابيا دفينا، أنه لا يوجد لاعب واحد تستطيع أن تنال صفعة على قفاك من أجله، كما لا يوجد لاعب أو مدرب أو مستخدم قادر على رفع راية العصيان إذا تعرض زميله لمكروه، بل إن نقابة المدربين لم تلجأ منذ تأسيسها إلى خيار الإضراب فاعتقد المدربون أنه رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، بينما الحكام يلجؤون بين الفينة والأخرى للعصيان بحمل شارات غضب، دون أن يضربوا عن الصفير.
اللاعب النقابي مرفوض في عالم الكرة، يتعامل معه المسؤولون بجرعات حيطة وحذر زائدتين، فينشرون حوله مخبرين ويتعقبون في الجرائد والمواقع الإعلامية تصريحاته، وحين يدعو زملاءه اللاعبين وهم في غرفة الملابس إلى المطالبة براتب أخطأ موعده، تنبعث من أجهزة الاتصال اللاسلكي هتافات النصر: «سيدي قبضنا على الظنين متلبسا بالكلام في السياسة».



ساحة النقاش