فلاش بريس = عبد العزيز الرماني
«اذكروا أمواتكم بخير..»
من يتأمل الواقع الحزبي في المغرب، والحالة التي أصبحت عليها الأحزاب؛ لا يسعه إلا أن يوحد الله، ويدعو للجميع بالمغفرة.
فحزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي في مهب العاصفة منذ فترة ليست بالقصيرة، وقد تشتتت أركان بيتيهما، وأصبحت معارضتهما في البرلمان تشبه الهلوسة، وحالهما يصح فيه وصف المتنبي، وهو يشتكي من الحمى:
«بذلت لها المطارف والحشايا // فعافتها وباتت في عظامي».
وصف عبد الله رشد، وهو واحد من المناضلين الاتحاديين القدامى، حزبه بأنه ذبيح المرتدين والجواسيس. وقال في كتاب ألفه حول وقع السياسة في المغرب، أن حزب الاتحاد الاشتراكي كان ضحية الذبح والتحطيم أكثر من مرة، وأنه كان ملجأ مستطابا «للطامعين واللاهثين وراء المصالح الشخصية، وتورط أعضاء بارزون في فضائح مالية وشوهوا سمعة حزب المقاومة والتضحية في الأوساط الشعبية».
ويتابع عبد الله رشد وصفه المحزن والساخط لحال حزب الاتحاد الاشتراكي «وأدت الميوعة في المواقف المبدئية، وتهميش المكافحين الصادقين، وتهافت الانتهازيين؛ إلى تراجع الأخلاق النضالية، وممارسة الدعارة السياسية التي لعب فيها المرتدون والجواسيس دور القوادين».
ورغم أن الصحفي عبد الله رشد ذكر أسماء بعينها، ووصفها بالخيانة والتجسس، وبالمساهمة في إضعاف الحزب؛ فإن كل كلامه كان يهم فترة مضت من تاريخ الاتحاد الاشتراكي، أما الوضع الحالي فربما أكثر مأساوية من السابق.
كان الصحفي محمد باهي، رحمه الله، كاتبا متميزا يراسل جريدة «الاتحاد الاشتراكي» من فرنسا، وكنا نسارع مرة في الأسبوع لشراء الجريدة قبل أن تنفذ من الأكشاك؛ لأنها تتضمن «باريس الأسبوعية».
ويوم أصبح عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أول في ما سمي حكومة التناوب، عاد الصحفي محمد باهي، وسلمت له جريدة الاتحاد ليقودها ويعيد تنظيمها، فعانى الأمرين وقاسى كثيرا، فقال في حزبه أشياء بليغة يحق للتاريخ أن يوثقها، ومنها أنه يصعب الرؤية عن بعد خاصة في الظلام والضباب، وأن كان لا يرى حزبه عن قرب، فظل الراحل يبحث عن حزبه لعله يجده إلى أن وافته المنية وهو يحمل قنديلا، ويردد في داخله: «طوبى للموتى مثلي».
ومن لا يعرف محمد باهي، المناضل الثوري والصحفي اللامع، فيكفيه أنه هو من اقترح عليه الرئيس الجزائري الأسبق الهواري بومدين رئاسة «الجمهورية الصحراوية»، قبل أن يتسلل إليها محمد عبد العزيز المراكشي، فرفض الراحل، وأقفل الباب في وجه الرئيس، وغادر الجزائر لا يحمل غير ثيابه.
لكنه حين عودته إلى المغرب اقترح عليه عبد الرحمان اليوسفي أن يتقدم للانتخابات، ويرشح نفسه ليدخل البرلمان، ويدلي بدلوه بين المنتخبين، فقال لأحد أصدقائه: «يبدو أن نهايتي اقتربت، فأنا من طاف العالم ليبحث عن معنى صحيح لكلمة «مناضل»، وحين وضعت الناقة حملها في المغرب، أرادوني أن أصبح برلمانيا مزيفا».
يحكى أن الملك الحسن الثاني اقترح على عبد الرحيم بوعبيد في بداية السبعينيات، التفكير في تشييد تمثال للمهدي بنبركة، فكان جواب عبد الرحيم بوعبيد: «لا أعرفكم ماذا تقصدون بهذا الكلام يا جلالة الملك، لكنني متأكد أن صفحة المهدي بنبركة مزقت داخل كتاب الاتحاد الاشتراكي، فما عسى التماثيل أن تفعل؟».
لكن الراحل عبد الرحيم بوعبيد لم يكن يعرف أن عبد الرحمان اليوسفي سيدشن في مرحلة لاحقة، شارعا طويلا باسم المهدي بنبركة، يتوسط أرقى أحياء الرباط من الرياض حتى السويسي، ومن مداخل مدينة تمارة إلى طريق زعير في قلب العاصمة.
وحالة الاتحاد وهو يواجه اليوم الحزب الحاكم، يصح وصفها، انطلاقا من المثل الشعبي «سيد القاضي، ضعاف دراعو وبقا لسانو ماضي، مرة يشد في العامر، مرة يطيح في الفاضي».
رحم الله مؤسس الإخوان المسلمين في مصر حسن البنا، فقد كان يوما في رحلة بإحدى القرى في مصر التي تنطق القاف جيما، وحين انتهى من خطبته جاءه أحد «الصعايدة» وقال له: «يابوووي ذا انت جاموس كبير جوي»، فأجابه الإمام حسن البنا: «أيوه بس فين العجول اللي تفهم؟». في رحلة أخرى له إلى إحدى القرى، نقله أهل القرية على عربة يجرها حمار، وكان السائق يضرب الحمار بشدة كي يسرع، فأمره الإمام حسن البنا بالرفق بالحيوان، فأجابه السائق: «ولا يهمك، يا أستاذ، أصل صاحب العربية من الإخوان المسلمين»، فأجابه البنا: «ولكن الحمار ليس من الإخوان المسلمين».



ساحة النقاش