المساء = يوسف بلال
العلمانية دين دولة
العدد :2506 - 20/10/2014
منذ احتجاجات «الربيع العربي» ومجتمعات المنطقة تعرف نقاشا حادا حول طبيعة النظام السياسي وعلاقة الدين بالدولة. وهذا النقاش ليس جديدا، حيث طـُرح منذ أواخر القرن التاسع عشر، أولا في تركيا ومصر وإيران، ثم في البلدان العربية الأخرى، بعد أن حددت الدول المستعمرة سبب ما سمته بـ«التخلف الحضاري» في الدين الإسلامي نفسه. وهذه الأطروحة قد نظر لها مستشرقون، من أمثال «سيلفستر دو ساسي» و»إيرنست رونا» بفرنسا، الذين كانوا ينتجون علما على أسس عنصرية تعكس علاقات الهيمنة الناتجة عن الاستعمار كما بين ذلك المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق». ونرى، اليوم، أن العديد من المفكرين العرب، وبالخصوص في البلدان التي عاشت تحت الاستعمار الفرنسي، يكررون الخطاب الاستعماري ويفسرون استمرار الأنظمة السلطوية والاستبداد بـ«تخلف الدين الإسلامي» وبغياب العلمانية في العالم العربي.
وفي الواقع، لا يوجد هناك تعارض بين الديمقراطية، من جهة، والدين، من جهة أخرى، بل يمكن للديمقراطية أن تتطور انطلاقا من قيم دينية. في أوربا، تجدُ العديدَ من الدول الديمقراطية تعترف بالدور السياسي للدين مثل المملكة المتحدة، حيث إن ملكة البلد هي في الوقت نفسه رئيسة الدولة ورئيسة الكنيسة الأنكليكانية.
وفي القرن التاسع عشر، لاحظ المفكر «أليكسي دو توكفيل» في كتابه «الديمقراطية في أمريكا» أن تشبث الشعب الأمريكي بالدين المسيحي والحيوية الدينية التي يعرفها المجتمع من أهم العوامل التي تفسر تطور الديمقراطية في الولايات المتحدة.
وهناك دول علمانية أو شبه علمانية لم تكن ديمقراطية بتاتا، مثل الجمهورية العراقية أيام حزب البعث أو الاتحاد السوفياتي والأنظمة الشيوعية الأخرى التي كانت تحارب الدين داخل المجتمع. ولنذكر هنا أنه، في بعض الأحيان، كان للعلمانية دور شبيه بالدور الذي لعبته الأديان في المجتمعات الإنسانية. وفي سنة 1792، حاول نظام الجمهورية الناتج عن الثورة الفرنسية أن يؤسس لدين جديد باسم «عبادة العقل» يدعو إليه «رهابين العقل» والذي فرض على الفرنسيين عن طريق رسوم حكومية. وبالرغم أن مشروع «دين العقل» فشل بعد سنتين على انطلاقه، ظلت الإيديولوجية العلمانية في فرنسا شبيهة بدين متشدد لدولة تسعى إلى التحكم في تنوع المعتقدات وممارسة الطقوس الدينية، بل تحاربها عندما تأتي من الجالية المسلمة التي تعيش على أرضها.
وفي المغرب، تجد مثقفين وسياسيين يكررون الخطاب الفرنسي حول العلمانية ويحاربون الحركات الإسلامية ولا يترددون في التحالف مع نظام سياسي يقوده «أمير المؤمنين». هذا التناقض يعكس العجز الفكري للعديد من العلمانيين المغاربة الذين لا يعرفون شيئا عن الإسلام ولا عن تراثه الفكري والحضاري، أو يكتفون بقراءة تاريخه بأعين المستشرقين الجدد والمفكرين الفرنسيين. والحد الأدنى من المصداقية والانسجام الفكري يتطلب أن يتخلى جزء من العلمانيين عن موقفهم الانتقائي من الديمقراطية، التي هي مقبولة إذا منحت الفوز الانتخابي لقوى قريبة من الأطروحات العلمانية، ومرفوضة إذا فازت بها الحركات الإسلامية. هكذا، ربما يمكن لهؤلاء أن ينجحوا في انتقالهم الديمقراطي قبل الاهتمام بالوضع الوطني والجهوي.



ساحة النقاش